أبو حفص يتساءل: ما الفرق بين “الدواعش” و “السلفيين” ؟!..

خاص: بانوراما الرأي والتحليل / ياسين شرف

كتب الشيخ محمد عبد الوهاب رفيقي الملقب بأبي حفص في صفحته على الفيسبوك تدوينة لافتة من حيث التوقيت والمضمون جاء فيها:

لتعرف حجم المسافة القريبة بين الدواعشو السلفيين المعتدليناسأل هؤلاء المعتدلين‘:

ما حكم من يدعو إلى تطوير القوانين التي في الشريعة وملائمتها مع متغيرات الواقع وتطور المجتمعات؟..

* الجواب : كافر بإجماع المسلمين.

طيبما رأيك في الدواعشالذين سفكوا الدماء وذبحوا الأعناق وأحرقوا الناس واغتصبوا النساء؟..

* الجواب: مسلمون عاصون.. فنحن أهل السنة لا نكفر بذنب ما لم يستحله.. إخواننا بغوا علينا

مممممم .. ‘أوكي‘.. لا تعليق“.

*** / ***

هذا طرح ثوري، ذكي وشجاع، يحمل في طياته من المعاني ما يطول شرحه، وقد يكون امتناع الشيخ رفيقي عن التعليق له ما يبرره، خصوصا وأنه محسوب على تيار أهل السنة والجماعة، ملتزم بمنهج النقل الذي يكفر التفكير على حساب منهج العقل الذي يطرح الأسئلة المنطقية على الدين للوقوف على الحقيقة، أو منهج أهل البيان على حساب منهج أهل البرهان بتعبير محمد عابد الجابري رحمه الله في مؤلفه نقد العقل العربي“.

لكن ما يجب قوله بصراحة هنا، هو أن الحديث في موضوع حساس من هذا القبيل قد يجلب على صاحبه الويلات ويثير حفيظة السلفيين الذين تحولوا إلى كهنة يتحكمون في عقيدة الناس، وحولوا الدين إلى بضاعة للمتاجرة وفق قواعد الحلال والحرام والكفر والإيمان، وأصبح الفقهاء بذلك وسطاء بين الله وعباده على سنة اليهود والنصارى انطلاقا من تأويل سطحي لحديث مروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: “العلماء ورثة الأنبياء، مع وجوب التفريق بين العالم المنتج للمعرفة التي تحرر الناس من الجهل وتفتح أمامهم آفاق المستقبل الواعد، والفقيه المقلد الذي يشد الناس نحو الماضي ويحثهم على العيش في زمن قريش على هامش الحضارة وضدا في صيرورة التاريخ.

ومهما يكن من أمر، يجب الاعتراف بأن تدوينة الشيخ رفيقي المميزة هذه تطرق بلطف بابا ظل موصدا لقرون عديدة، لكن من دون أن تفتحه لصبر أغوار الداعشيةفي الإسلام السنيتحديدا ومعرفة الفرق بين شرع اللهوشريعة الفقهاءالمسماة بـالشريعة الإسلاميةفي تركيبة كيميائية تخلط بين الإثنين لتلغي الأولى وتستبدلها بالثانية، ما يطرح العديد من الأسئلة المشروعة حول مدى صحة عقيدة أهل السنة والجماعة بكل مذاهبهم ومدارسهم ومللهم ونحلهم، لأنها تضع مصطلح السنة والجماعةومصطلح الشريعة الإسلاميةمعا على مشرحة النقد والتأصيل.

كما وأن المراجعة التاريخية التي يرفضها فقهاء السنةوينهون عن الخوض فيها توصلنا إلى حقيقة صادمة مفادها، أن «الداعشية» السياسية والدينية، هي ظاهرة متجذرة في الإسلام السنيظهرت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم زمن الخلافة المسماة بـ الراشدة“.

لأن مفهوم الجماعةيفتح رأسا على الأسئلة التالية:

هل اختزل الله تعالى الإسلام الذي ارتضاه دينا للعالمين كافة من محمد نزولا إلى نوح صعودا مرورا بكل الرسل والأنبياء والأمم مما نعلم ولا نعلم عليهم السلام جميعا وفق مفهوم القرآن للإسلام في شرنقة الجماعة، وجعل الخارج عنها مارقا مطرودا من دين الله ورحمته؟..

وهل محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعثه الله ليؤسس جماعةأم ليبلغ رسالة ربه لتكون رحمة للعالمين جميعا كما يؤكد القرآن في العديد من آياته؟.

ونظرا لارتباط مصطلح الخلافةبمصطلح الجماعةفي الثقافة الأصولية من حيث النشأة والتكوين، فهل يوجد في القرآن ما يؤصل لنظام الخلافة كمفهوم سياسي؟.. أم أن الخلافة تعني حصريا خلافة الناس جميعا لله في الأرض باعتبارهم أدواته التي يجري بها مشيئته في الخلق وفق رؤيته للحق؟..

ثم كيف يمكن إقامة نظام سياسي إسلامي على أساس الخلافة لحكم المسلمين على امتداد جغرافية العالم والله يقول أنه جعل الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا، ولم يحدد لهم في قرآنه طبيعة الحكم الذي يناسبهم بل كل ما في الأمر أنه أمرهم بالعدل والمساواة والتقوى؟..

والخلافة هي نظام حكم دنيوي ابتدعه الرعيل الأول من الصحابة لأنهم فهموا خطأ أنه استمرار لخلافة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ما لا يستقيم مع التكليف الإلهي، باعتبار أن اختيار الرسل أمر من اختصاص السماء، ولم يأتي في القرآن ما يشير إلى تعيين خلفاء للرسل من قبل أهل الأرض، بدليل أن القرآن استوعب جميع أنظمة الحكم حين امتدح الملكية زمن سبأ وسليمان وغيرهما كثير، وبشر بانتصار امبراطورية الروم على امبراطورية الفرس، وجعل أمر نظام الحكم شورى بين الناس يختارون النظام الذي يرتضونه لمصالحهم شريطة أن يحقق العدل والمساواة بينهم.

وبالتالي، فإن تركيز التيارات السلفية على مسألة إقامة الخلافةبزعم تطبيق الشريعةهو مجرد مطية لتحقيق مصالح وأطماع دنيوية، تصبغها بالصبغة الدينية بهدف استقطاب الشباب وتجنيدهم لتحقيق أوهامها كما رأينا مع تجربة «داعش» في العراق وسورية، وكيف استغل الغرب الأطلسي والصهيونية العالمية جهل المسلمين بهذه الحقيقة للترويج للجهاد من أجل إقامة الخلافة، فنجحوا في استقطاب أكثر من 360 ألف إرهابي دخلوا سورية عبر تركيا لتحقيق هذا الوهم المتجذر في الثقافة السلفية السنية، وفق تقرير المخابرات الألمانية، ولم يحدق أن أطلق الدواعش باختلاف انتماءاتهم التنظيمية ولو رصاصة يتيمة في اتجاه إسرائيل، فعن أي جهاد يتحدث هؤلاء المرتزقة؟..

أما مفهوم السنةفيفتح رأسا على الأسئلة التالية:

إذا كان الله تعالى قد عرّف مصطلح السنةفي قرآنه بقوانينه الناظمة للكون والخلق ولم يذكر بالمطلق شيئا عن سنة أنبيائه، وعرّف الحديثبأنه ما يتضمنه خطابه لا خطاب أنبيائه وأن الناس لن يجدوا أحسن من القرآن حديثا، فمن أين أتى الفقهاء بمشروعية السنة والحديث باعتبارهما أصلا ثانيا من أصول التشريع في الإسلام؟..

لأنه إذا كان الله تعالى قد أمر نبيه بصريح العبارة – بأن يتبع ملة إبراهيم الخليل صاحب العهد عليه السلام، فكيف له أن يضع سنة خاصة به ويأمر الناس باتباعها وهو الذي نهى أصحابه عن كتابة أقواله وأمرهم بالاكتفاء بالقرآن الذي ما فرط في شيئ من الدين محكما كان أو متشابها؟..

وتجذر الإشارة هنا إلى حقيقة قرآنية روعة في الدلالة تشير إلى الله تعالى يوم سيسأل رسوله عمّا حل بأمته من خلاف وانحراف وتفرقة في الدين بعد أن بعثه الله لها بكتابه الجامع ليكون نورا يهتدون به في تجربتهم الأرضية ولم يفرط فيه من شيئ كبيرا كان أم صغيرا، فيتبرأ الرسول من مسؤوليته عن ذلك ويقول لربه: (وقال الرسول يال ربي إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) الفرقان: 30.. فأين يذهب أهل السنة والجماعةمن هنا؟..

أما من حيث التأصيل لمصطلح أهل السنة والجماعة، فيحق لنا بالمناسبة طرح التساؤل التالي لفهم الفرق بين الديني والسياسي في تاريخ المسلمين زمن الخلافةالتي أصبغ عليها الفقهاء هالة من التقديس لتنزيهها عن المراجعة التاريخية كي لا يتكشف المستور فينفض الناس من حولهم، فنقول:

هل أهل السنة والجماعةهم من حرصوا على اتباع سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي أسس لمنظومتها الحاكم بأمره معاوية بن أبي سفيان زمن الفتنة الصغرى لنزع الخلافة من علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بتحريض من عائشة (ر) التي خرجت ضد الخليفة عثمان (ر) رافعة قميص محمد واتهمته بتبديل سنةالنبي قبل أن يبلى قميصه بسبب البذخ والتبذير ومحاباة الأقارب، وعندما اغتاله دواعش العصر (الخوارج) رفعت عائشة هذه المرة قميص عثمان مطالبة بالثأر لدمه؟..

وكلنا يعلم أن معاوية بن أبي سفيان هو أول من أسس لما أصبح يعرف بـأهل السنة والجماعة، وهو أول من قال بمبدأ الجبر ضدا في حرية الاختيار على أساس قاعدة الشورى الملزمة في القرآن حين قال أن كل ما يأتيه هو بقضاء الله ومن خلقه بما في ذلك أفعاله، وأن الله هو الذي اختاره وجعله إماما وولاه الأمر، بغض النظر عن قضية الظلم والعدل، ضدا في قول الله تعالى لإبراهيم الخليل صاحب العهد عليه السلام (لا ينال عهدي الظالمين) البقرة: 124.

وكلنا يعرف أيضا ما حدث في عهد اليزيد بسبب وهم الخلافةمن ذبح لأسرة الرسول صلى الله عليه وسلم كما تذبح الخراف وحرق للكعبة بالزيت والنار وقتل الحسين سيد شهداء شباب الجنة عليه السلام.. فكانت الفتنة الكبرى التي أصبحت تعرف بواقعة كربلاء، ومنذئذ والأمة تعيش في كرب وبلاء إلى يوم الناس هذا، بسبب استغلال الدين في السياسة تحديدا، ومنذئذ والخلاف السني الشيعي على أشده حيث اتخذ من الدين سلاحا في حين أن جذوره سياسية بامتياز، وقد رأينا كيف استغلت المؤسسات الكهنوتية في السعودية ومصر وغيرها هذا الخلاف السياسي فحولوه في السنوات الأخيرة إلى فتنة بين السنة والشيعة شوهوا بها الإسلام وسمعة المسلمين في العالمين.

أم أن الأمر يتعلق بسنة فقهاء بنو أمية الذين أسسوا لمدرسة دينية تعتمد النقل وتعطل العقل خدمة للإقطاع، فتحولت بعدهم إلى عقيدة سنية يتبناها تيار واسع من الذين ينتمون للإسلام بالتسمية بحكم الوراثة بدل القناعة، ما دفع بالإمام الأنباري والإمام الهيثمي لوصم ظاهرة تدينهم بـإيمان الجهال؟..

وقد رأينا كيف أن فقهاء أهل السنة والجماعةيصفون عامة الناس بالغوغاء والدهماء والظلماء وسواد الأمةويحرضون الحاكم على إلزامهم بطاعته والبطش بالخارجين عليه حتى لو كان ظالما فاسدا فاسقا فاجرا ما لم يصدر عنه كفر بواح، استنادا إلى نظرية الخليفة الثالث التي تقول: “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن“.

ثم إذا كان التيار السلفي يدعي أنه يتبع سنة السلف الصالح ويروج لإثيوبيا إقامة الخلافة على نهج النبوة، فإن ما نعلمه من كتاب الله وتاريخ الرسالة، هو أن محمد صلى الله عليه وآله لم يكن خليفة بل كان رسولا ونبيا، ولم يبعثه الله تعالى ليؤسس للمسلمين دولة بل ليقيم أمة.. أما إذا كان المقصود بالحكم الرشيد هو إقامة الخلافة على نهج تجربة الخلفاء، فيحق لنا التساؤل:

هل ترك لنا أبو بكر الصديق (ر)، منهجا في نظام الحكم الإسلامي نهتدي به في إقامة دولة المؤسسات الإسلامية على أساس الشورى الشعبية الملزمة بمفهومها القرآني، أم أن تجربته الخاصة جدا، والتي أقيمت على أساس مؤسسة أهل الحل والعقدفي سقيفة بني ساعدة، كانت إلى حد بعيد نسخة طبق الأصل من ديمقراطية نبلاء قريش على شاكلة نبلاء روما بتعبير الدكتور العروي في مؤلفه الفريد والمميز السنة والإصلاح؟

ثم ماذا عن الخليفة عمر بن الخطاب (ر)، هل ترك لنا منظومة في التشريع نهتدي بها لإقامة العدل بين الناس، أم أن منتهى العدل هو أن نحرص على توزيع الدقيق على الجياع من الفقراء، بدل توفير فرص الشغل الكريم لهم ومساواتهم مع بقية أفراد المجتمع وإشراكهم في الثروة كما يحث على ذلك القرآن؟..

أليست هذه الوقائع التاريخية في ظهر الإسلام بعد وفاة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم هي التي أسست للفكر الداعشي لدى التيار المنتمي لـأهل السنة والجماعةالذي أسسه معاوية؟.. من هنا بدأ خط الانحراف الكبير في التاريخ الإسلامي فتحول المسلمون نتيجة لذلك إلى طوائف ومدارس ومذاهب وملل ونحل على سنة اليهود، استنادا إلى حديث منسوب للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، مفاده، أن الأمة ستفترق إلى أكثر من سبعين فرقة كلها في النار إلا أهل السنة والجماعة.. وهذا عين الجهل والعبث.

فهل كانت هذه التجربة القصيرة بالفعل خلافة راشدة على هدي النبوة؟.. وكيف لها أن تكون كذلك وأبو بكر (ر) قرر قتال مانع الزكاة بحد السيف باعتباره مرتدا عن الدين، بالرغم من تحريم القرآن للإكراه في الدين وقوله تعالى من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إن الله غني عن العالمين؟.. وحتى لو سلمنا جدلا بصوابية القرار من باب المحاججة العقلية ليس إلا، فلماذا لم يحارب الخليفة الأول تارك الصلاة مثلا علما أن فريضة الصلاة مقدمة على فريضة الزكاة؟..

من هنا يتضح أن القرار كان سياسيا بامتياز ولا علاقة بالدين من قريب أو بعيد لأنه يتعارض مع صريح آيات القرآن.

ثم هل كانت الفتوحات التي أمر بها الخليفة الثاني إسلامية حقا هدفها نشر الإسلام بحد السيف ضدا في شريعة السماء أم أن دافعها كان الغنيمة كما تؤكد أحداث التاريخ التي لا يسع المجال للتوسع فيها في هذه العجالة؟..

لا نريد طرح مزيد من الأسئلة التي تؤرق عقل الباحث حول تلك الحقبة المبكرة من تاريخ الأمة انطلاقا من مشروعية سؤال المعرفة، ونفضل القول مع القرآن، أن تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما اكتسبتم ولا تسألون عما كانوا يفعلون.. فلماذا الإصرار على جرنا لماضي لن يفيدنا في تغيير الحاضر لبناء المستقبل؟..

لأنه بالنظر إلى واقع الأمة اليوم، والذي هو نتيجة طبيعية لهذا النموذج من الإسلام الموروث، يحتم علينا التساؤل عن الفرق بين التجربة المسيحيةزمن الكنسية الكاثوليكية في العصر الوسيط وتجربة المؤسسة الدينية السنيةفي العالم العربي خصوصا والإسلامي عموما والتي لا تزال مستمرة وعصية على المراجعة والتجديد..

من وجهة نظري، لا يوجد فرق على الإطلاق إلا من حيث انعكاس الصورة.. فكما اتسم العصر الوسيط في أوروبا بتشجيع الكنيسة للجهل، والعنصرية، وتجريم التفكير ليسود الظلام خدمة للإقطاع، ها هو العالم العربي يعيش اليوم نفس الواقع المزري من دون أمل في التغيير، بفضل المؤسسة الدينية التي فرضت نفسها بالكهنوت كحارس على عقيدة المسلمين من غير وجه حق..

والسبب اليوم لا يختلف عن سبب الأمس، بل يزيد عنه تطرفا وغلوا، خصوصا عندما نرى رجال دين في بلاد العرب يسخرون منظومته التربوية والدعوية لخدمة الإقطاع العربي والصهيونية العالمية معا، ويعملون من أجل التفريق بين أبناء الأمة الواحدة بالدجل والتضليل، فيكفرون الشيعة ويصفونهم بالروافض والمجوس، ويعتبرون الحوار مع اليهود واجب، في حين يرفضون الحوار للتقريب بين المذاهب وإقامة الوحدة بين المسلمين من منطلق القرآن الذي طالبهم تعالى بالاعتصام بحبله المتين، لأن الحوار وفق رأيهم عبث ومضيعة للوقت، فيما الحقيقة تقول أن الحوار من شأنه تعريتهم وكشف هشاشة منظومتهم الكهنوتية وتعريضهم لببطالة.

صحيح أن الجهل والتخلف ليس قدرا، بدليل أن المسلمين في العصر الوسيط كانوا يعيشون في الأندلس أبهى عصور النهضة بما أنتجوه من ثراء فكري وعلمي وتقافي وأنموذج إنساني حضاري راق في التسامح والمحبة والاحترام، أنار للغرب الطريق نحو الحرية والانعتاق من العبودية، وفتح أمام الشعوب الأوروبية عصرا جديدا من التقدم والأنوار المعرفية التي شكلت نقلة نوعية في مسيرتها الحضارية حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم من ازدهار ورقي في ما أصبح يعرف بعصر ما بعد الحداثة..

والدارس لتاريخ الفكر الإسلامي يعرف حق المعرفة أن ذلك كان بفضل العقل الفارسي المسلم الجبار الذي تحاربه المؤسسة السنية في العالم العربي اليوم حتى لا تقوم للأمة قائمة وتعود لسابق عهدها المشرق الجميل نظرا لما وصلت إليه إيران من تقدم علمي وتكنولوجي حولها إلى قوة إقليمية كبرى تضاهي الغرب في البحث والإنتاج المعرفي.. نقول هذا، لأنه باستثناء ابن خلدون وابن بطوطة، لم ينتج العرب عقولا من حجم عقول أهل فارس في مختلف مجالات العلوم والمعرفة، ولا نتحدث هنا عن الفقه الذي ليس له من العلم إلا التسمية، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا جاهل أو مكابر..

لكن من الصحيح أيضا، أنه وبسقوط الأندلس، بدأ المسلمون يتقهقرون نحو الظلام بقدر ما كان الغرب يتقدم نحو النور.. مصداقا لنظرية الزيادة والنقصانالقرآنية التي تفيد أنه كلما تقدمت حضارة إلا وتراجعت أخرى، وهي النظرية التي قال بها إخوان الصفا وخلان الوفاستة قرون قبل ابن خلدون، وهذه سنة الله في الخلق التي لا تتبدل ولا تتغير ولا تتحول، لأن الثابت الوحيد فيها هو التقدم والتطور وفق ما يفرضه مجرى التاريخ، ومن يتخلف عن المسار قدره أن يعيش على هامش الحياة بين الحفر خارج التاريخ وعبئا على الحضارة..

وفي هذا الإطار، يؤكد درس التاريخ، أن أوروبا ما كان لها أن تخرج من عصر الظلمات إلى النور لولا ثورتها الشهيرة على الإقطاع والكنيسة معا، فدخلت بذلك الثورة الفرنسية كتب التاريخ كأعظم ثورة إنسانية فتحت مباشرة على عصر الأنوار المعرفية وأرست قيم الحرية والإخاء والمساواة والعدالة الاجتماعية (أي نفس القيم التي أوصى بها الله تعالى العباد في قرآنه)، ممهدة بذلك لكل الثورات التي تلتها في القرن التالي من أجل التحرر من عبودية الكهنوت واستغلال الإقطاع، فدخل العالم لأول مرة في ما أصبح يعرف بعصر الشعوب..

ثم جاءت الثورة الإيرانية المجيدة في العصر الحديث في نسختها الإسلامية التنويرية، لتحدث انقلابا في الرؤية والقناعة لدى المسلمين، وتؤكد لهم أن الطريق إلى التغيير يمر حتما عبر التحرر من الظلم والفساد والإقطاع والجهل والتشبث بالعلم والمعرفة والمجاهدة في العمل والإنتاج، وأثبتت للمسلمين جميعا أن التخلف ليس قدرا، وأن النهضة ممكنة حين تتوفر إرادة التغيير لسلوك دروب النهضة والرقي..

فهل نستوعب رسالة التاريخ ونفهم سنن الله في الأرض والخلق بالعمق المطلوب، ونعلنها ثورة ضد الكهنوت والإقطاع معا لنعيد لأمتنا وحدتها ونضعها على سكة الإقلاع الحقيقي لتدخل التاريخ وتصبح فاعلا مساهما في الحضارة بدلا من أن تضل مفعولا بها أبد الآبدين؟..

السر يكمن في الثورة على الكهنوت والإقطاع، ومفتاح انعتاق الشعوب بيد شباب الأمة المؤمن والمتنور.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*