أزمة الخليج تنذر بتشكل حلف إقليمي “تركي – إيراني – قطري”

خاص: بانوراما اليوم / أحمد الشرقاوي

كثيرة هي المبررات التي سيقت لفرض العزلة السياسية والحصار الاقتصادي على قطر، التي وجدت نفسها مطرودة من فردوس الخليج، منها ما هو تاريخي يتعلق بتداخل الخرائط وأطماع الإمارات من جهة والسعودية من جهة ثانية في ضم الإمارة الصغيرة الغنية إلى جغرافيتهما.

ومنها ما هو إقليمي بسبب دعم قطر لما سمي بـالربيع العربيالذي واكبته قناة الجزيرةبشكل غير مسبوق في الإعلام العربي، لدعم خيار الإسلام السياسي ممثلا بجماعات الإخوان المسلمين في المنطقة، الأمر الذي اعتبرته السعودية والإمارات والبحرين تحريضا على الثورة يشكل تهديدا وجوديا يمس كيانهم ويهدد عروشهم بالزوال، فحاربوه بكل ما أوتوا من مال وقوة.

ومنها ما هو جيوسياسي لتعارض رؤية قطر مع الرؤية والمصالح السعودية في المنطقة، وقد برزت هذه الخلافات بشكل واضح في عديد الساحات العربية كالسودان وليبيا وفلسطين ومصر والعراق وسورية واليمن، وهي خلافات تتعلق أساسا بسعي السعودية إلى تقسيم دول المنطقة بسلاح الإرهاب (داعش وأخواتها)، وفق رؤية واشنطن للشرق الأوسط الجديد، وهي الرؤية التي لم تكن تعارضها قطر إلا بقدر معارضتها لأن تصب في مصلحة النفوذ السعودي، فكانت تدعم حركات الإسلام السياسي الإخواني” (الائتلاف وأدرعه العسكرية) أو القاعدي” (جبهة النصرة ومشتقاتها) لمصلحة النفوذ التركي.

ومنها ما هو اقتصادي يمثل جوهر الصراع من أجل التحكم في الطاقة لما له من أهمية جيواستراتيجية خطيرة في التوازنات الإقليمية والدولية، خصوصا لجهة استعمال الطاقة كسلاح ضد إيان وروسيا والدول المناهضة للسياسات الأمريكية في المنطقة والعالم.

مضاف إليه عامل الاستثمار الخارجي القطري الضخم، والذي ترغب واشنطن في تركيع قطر لتحويله من الدول الأوروبية والأسيوية والإفريقية والأمريكية الجنوبية إلى الولايات المتحدة لإنقاذ اقتصادها المتداعي بسبب الديون الهائلة التي يرجح تحت وطأتها.

هذه باختصار هي أهم الأسباب التي فجرت الصراع مع قطر بتحريض من الرئيس ترامب الذي جعل من تمويل ودعم الإرهاب مبررا لتركيع قطر وإخضاعها لرؤيته.

والسؤال الذي يطرح اليوم بقوة، هو: – ما هي الخطوة المقبلة في حال رفضت قطر القبول بالشروط الأمريكية لتسوية النزاع مع السعودية والإمارات والبحرين؟..

المعلومات والمعطيات المتوفرة حتى الآن تقول، بأن قطر ترفض الانصياع للشروط السعودية والتخلي عن سيادتها واستقلال قرارها السياسي الداخلي والخارجي، خصوصا بعد الدعم الكبير الذي تلقته من دول كبرى كبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا الذين فهموا أبعاد لعبة ترامب فسارعوا إلى توقيع اتفاقيات ضخمة مع قطر في مجال الطاقة، هذا بالإضافة إلى الدعم السياسي والعسكري التركي والدعم السياسي والاقتصادي الإيراني، بحيث أصبحت إيران هي بوابة قطر نحو العالم، سواء لجهة الاستيراد أو التصدير أو الرحلات الجوية إلى مختلف العواصم، ما يجعل إيران قطبا اقتصاديا وتجاريا محوريا بالنسبة لقطر وشركائها الدوليين.

كما وأن حقل الغاز المسال الضخم المشترك بين إيران وقطر سيتم استغلاله لا محالة لتمرير الغاز إلى أوروبا عبر تركيا بدل الاكتفاء بالناقلات البحرية لتقليل الكلفة، وهو ما يجعل التقارب الإيراني – التركي أولوية في المرحلة المقبلة، لما سيكسبه البلدان من مزايا ويحققانه من مصالح تفوق التوقعات، وتجعل من رهان واشنطن والسعودية على احتواء قطر رهانا فاشلا بكل الحسابات الجيوسياسية والجيواستراتيجية، وهذا ما أدركته إسرائيلالتي بدأت تحذر من أن الأزمة المفتعلة ضد قطر قد تصب في النهاية في مصلحة التحالف التركي – الإيراني في المنطقة.

أما روسيا، فتنظر إلى هذا الاحتمال ببعض القلق لما يمكن أن يحدثه على صعيد إمدادات الغاز إلى أوروبا من تأثير على صادراتها، وتفضل أن تقوم واشنطن بحل الأزمة في الإطار الخليجي ليظل الستاتيكو قائما في مجال خريطة الطاقة، وفي حال أصرت قطر على الخيار الإيراني التركي، فستضطر موسكو للدخول بقوة من بوابة الاستثمار في حقول الطاقة الإيرانية لتكون شريكا في المشهد الاقتصادي الجديد الذي يتشكل في المنطقة والعالم.

ولأن إمكانية إحداث انقلاب عسكري في الدوحة أمر غير وارد، وفي غياب إمكانية الاستثمار في معارضة قطرية قادرة على قلب نظام الحكم الحالي في الدوحة، لن يكون أمام واشنطن والسعودية غير سيناريو تسعير الأزمات في العراق وسورية.

في العراق وسورية من خلال الرهان على العالم الكردي والسني، لتقسيم العراق أولا بعد أن أعلن مسعود البرزاني قراره إجراء استفتاء تقرير المصير الشهر المقبل، ولتقسيم سورية بتكثيف دعم واشنطن للأكراد في الشمال (قسد) بعد تحرير الرقة والعشائر السنية الموالية للأردن في الجنوب السوري، وهو الأمر الذي يهدد الاستقرار في تركيا وإيران.

وفي هذا السياق يفهم تصريح تركيا أنها ستتدخل عسكريا في سورية لضرب الأكراد في حال شعرت بأن تحركاتهم تهدد أمنها القومي، وأعلنت إيران أنها ستشن أكبر حملة عسكرية جوية ضد داعشفي المنطق لم يشهد العالم نظيرا لها منذ السنوات الثلاثين الماضية..

فهل تم الإعلان عن هذه الخطوات بتنسيق بين طهران وأنقرة؟.. لا نشك في ذلك.

وهذا السيناريو تحديدا، هو الذي بدأت تروج له مراكز الدراسات الإسرائيلية، وفي هذا الصدد، أوضح المركز الذي يرأس مجلس إدارته الصهيوني دوري غولد، وكيل وزارة الخارجية الإسرائيلي السابق، في ورقة تقدير موقف نشرها مساء الاثنين، أن انحياز تركيا إلى جانب قطر في الصراع الدائر مع السعودية سيغري صناع القرار في الرياض بتغيير مواقفهم من الشأن السوري“.

وأعاد المركز للأذهان أن السعودية ظلت ترفض كل الأفكار المتعلقة بتقسيم سوريا عندما كانت علاقتها مع أنقرة تمر في أفضل أحوالها خوفا من يمتد التقسيم إلى تركيا نفسها بسبب ما يمثله العامل الكردي من خطر على أمنها القومي.

غير أن دعم تركيا لقطر وإقامتها لقاعدة عسكرية في الدوحة وإرسالها لخبراء وجنود للدفاع عن النظام القطري، جعل السعودية تبحث عن الرد المناسب الذي يبدو أنها اختارت له الساحة السورية والعراقية، ما يؤشر إلى تصعيد في الصراع في المرحلة المقبلة، خصوصا وأن قطر وتركيا بدأتا هجوما غير مسبوق ضد الجماعات التي تدعمها السعودية في سورية لإنهاء نفوذها.

ولعل ما يدفع السعودية لمثل هذه المغامرة الخطيرة هو التقارب الجديد الذي نجح الرئيس ترامب في إقامته على أسس جديدة بين نظام آل سعود في الرياض ونظام السيسي في القاهرة، والذي يشكل النواة الصلبة لحلف ناتوعربي سني، لكن هذه المرة سيكون في مواجهة تركيا السنية أيضا وليس إيران الشيعية فقط، ما سيفقد الحرب المذهبيةالتي كان تسعى لتسعيرها واشنطن وتل أبيب ضد إيران مقوماتها الأساسية.

هذه المعطيات، وعلى ضوء التطورات المقلقة التي تعرفها الأزمة القطرية المفتعلة، تؤشر إلى أن الرياح في المنطقة ستجري بما لا تشتهي سفن واشنطن والرياض، لأنها ستؤسس لتحالف إقليمي جديد يضم إيران وتركيا وقطر، وقد تنضم إليه روسيا التي تجد علاقاتها بواشنطن في أسوء أحوالها اليوم دفاعا عن مصالحها وحفاظا على مكتسباتها في المنطقة.

لكن التحرك الروسي سيكون بحذر شديد مع مراعاة تطورات الأوضاع في الداخل الأمريكي، كي لا يؤدي التصعيد إلى صدام عسكري قد يفجر المنطقة والعالم، بسبب جنون ترامب وجموحه نحو التصعيد الخارجي للهروب من أزماته الداخلية.

وبهذا، يكون ترامب قد اتخذ أسوء قرار سياسي في التاريخ الأمريكي، قد يعجل بإنهاء هيمنة إمبراطورية روما الجديدة على المنطقة والعالم، وهذه فرضة لا تعوض لإيران ودول المنطقة التي تسعى للتفلت من الهيمنة الصهيو – أمريكية، وإن كان دون ذلك صعوبات ومخاطر كثيرة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*