أزمة الريف.. ومؤامرة الملك ضد الشعب

خاص: بانوراما الرأي والتحليل / ياسين شرف –

ليس دقيقا القول أن طريقة تعامل المخزن مع حراك الريف تؤكد وجود مؤامرة ضد الملك من محيطه كما ذهب إلى ذلك الأستاذ زيان في تفسيره لظاهرة عزوف رئيس الدولة عن التدخل المباشر لحل الأزمة، بزعم أن له قناعة راسخة بأن الأمر يتعلق بحراك انفصاليين..

بل ما يحدث في حقيقة الأمر هو مؤامرة يقودها الملك شخصيا ضد شعبه، ولولا انفجار الحراك لاضطر لافتعاله وركوبه لما يمثله من فرصة ذهبية لتبرير التراجع عن المكتسبات التي تنازل عنها للشعب مكرها في دستور 2011 تحت ضغط حراك 20 فبراير.

وإذا كانت عديد الأصوات ارتفعت لتنبه إلى أن النظام بصدد العودة بالبلاد والعباد إلى زمن السلطوية المطلقة كما كان الحال في عهد المقبور والده، مستغلا شعار هيبة الدولة فوق كرامة مواطنيها، إلا أن الفرق هذه المرة يكمن في أن محمد السادس الذي تصفه دوائر القرار في الغرب بأنه مراهق سياسي سريع الغضب والانفعال، يكمن في أنه لا يملك كاريزما والده الديكتاتور ولا تكوينه ولا ذكائه، الأمر الذي سيجعله يفشل في ما يصبو إليه.

كما وأن ظروف الواقع وشروط المرحلة قد تغيرت بشكل كبير، ومحاولة النظام الانقلاب على مكتسبات الشعب ستقابل بزلزال لا أحد يعرف كيف ستكون تداعياته على البلاد وعلى النظام بالأساس، لأن المعضلة تكمن في أن الملك لا يملك رؤية واضحة للتغيير بقدر ما يطبق تعليمات الغرب الذي أكدت التجارب في المنطقة أنه لا يفهم شعوبها بالعمق المطلوب.

نقول هذا لأن كل المؤشرات تؤكد أن ما يحدث في المغرب اليوم لا يختلف عما حدث في مصر بعد الانقلاب، وما يحدث في الخليج (السعودية والبحرين وقطر)، وأن من يدير اللعبة من الخلف هي إمبراطورية روما الجديدة من أجل أهداف جيوسياسية وجيواستراتيجية كبرى.

ألم تقل السفيرة الأمريكية في الأمم المتحدة نيكي هاليأن النزاع الخليجي يشكل فرصة لضرب قطر والسعودية معا؟.. وخرج وزير الخارجية الأمريكي تيلرسونأمس ليجسد هذه الرؤية من خلال قوله، إن السعودية والبحرين تنتهكان حقوق مواطنيهما من الطائفة الشيعية وعليهما الكف عن ذلك؟.. وهو ما فسره خبراء ومحللون بارزون برغبة واشنطن في المرور إلى مرحلة تقسيم السعودية وإعادة تشكيل أمم الخليج على أسس طائفية ومذهبية.. والمغرب قد لا يكون استثناءا من القاعدة، خصوصا بعد أن حذر الملك نفسه من مؤامرة تستهدف نادي الملكيات في قمة الخليج أواخر أبريل 2016، بعد أن لمس توجها لدى واشنطن لدعم تقرير المصير في الصحراء الغربية (وفق توصيف الأمم المتحدة).

صحيح أن المسألة تبدو ضبابية وشديدة التعقيد، لكن واشنطن هي المستفيدة بالمحصلة من مشروع الفوضى أو المؤامرة ضد الأنظمة والشعوب الذي تنفذه في المنطقة العربية، بهدف الحصول على أكثر مما نريدكما أوضحت هالي ما قصدته برغبة واشنطن في ضرب السعودية وقطر معا..

فكيف والحال هذه أن يصدق ملك المغرب أن تنفيذه للرؤية الأمريكية من خلال التآمر على شعبه سيجنب بلاده الفوضى والتقسيم وسيضمن استمرار عرشه إذا فقد شرعية شعبه؟..

هذا هو السؤال الجوهري الذي يمثل اليوم عنوان المرحلة التي اعتقد القصر مخطئا، أنه دخل عهدا جديدا ستساعده فيه واشنطن وباريس وتل أبيب في ثورته المجنونة ضد شعبه، لاستعادة قبضته السلطوية على كل مفاصل الدولة، من دون أن يترك للمغاربة هامشا لحرية الاختيار أو المشاركة الفعلية في اتخاذ القرار الذي يهم مستقبل وطنهم ومصير عيالهم.

من هنا جاء التهديد المبطن الذي روج له القصر على لسان كهنته وأشباه مثقفيه لتخويف المغاربة من أن دعم حراك الريف هو دعم للفتنة والفوضى، ودعوة لتحويل المغرب إلى سورية أو ليبيا.

لأنه بالنسبة للمغرب مثلا، لا أحد في الداخل كما الخارج يصدق أن حراكا انفجر في الريف بسبب مطالب اجتماعية واقتصادية وحقوقية بسيطة يمكن حلها بالإرادة الصادقة، أن يتحول إلى ثورة شعبية عارمة تحرق اليابس والأخضر.. وهذا مؤشر واضح فاضح على أن الملك يرفض حل الأزمة لأنها تمثل له فرصة ذهبية لتنزيل مشروعه ضد شعبه ولفائدة أسياده.

وقد رأينا كيف أن الحاوي بدء يكشف عن ألاعيبه التضليلية الواحدة تلو الأخرى من خلال عديد الإجراءات التكتيكية التي أقل ما يقال عنها أنها انتهازية ولا تمت لعقلانية الدولة بصلة، هدفها المرحلي الأساس إدارة الأزمة بالمقاربة الأمنية لا حلها بالحوار، ليتسنى للنظام العلوي المفلس الاستفادة منها إلى أقصى الحدود من أجل تحقيق هدفه الإستراتيجي الكبير المتمثل في عودة الملك الديكتاتور ليتحكم في رقاب العباد وخيرات البلاد بلا حسيب أو رقيب.

ولعل أبرز ما يؤكد هذا التوجه مؤشران بالغين الخطورة والدلالة:

الأول: رفض الملك التدخل شخصيا لحل الأزمة والتدرع بالحياد، هذا علما أن الملك لا يمكن أن يكون محايدا، باعتباره رأس الدولة، ورئيس مجلس وزرائها، والمسؤول الأول والأخير عن كل السياسات الإقتصادية والإجتماعية وغيرها، وبالتالي، لا شيئ، كبيرا كان أم صغيرا، يمكن أن ينفذ في ضيعته الشريفةمن دون موافقته المسبقة.

الثاني: رفض القصر – وتحديدا فؤاد واطي الهمة لكل مبادرات الوساطة، سواء تلك التي تقدم بها إدريس اليزمي من على منبر قناة الأولى وتراجع عنها بسرعة لأنها لم تكن منسقة مع المركز وفق ما قال.. أو تلك التي تقدم بها مستشار الأمين العام لأمم المتحدة السيد جمال بن عمر.. ولا نتحدث عن المبادرات التي حاول القيام بها حقوقيون مستقلون حرصا على أمن العباد واستقرار البلاد، لكن دون أن تجد أذنا صاغية، حيث كان القصر بالمرصاد لكل من يسعى للتدخل من أجل حل الأزمة بالحوار.

والمتابع لتاريخ حراك الريف طيلة الأشهر الثمانية الماضية، لا يسعه إلا الاستنتاج أن ما كان يسعى إليه النظام هو خلق الأسباب لتسعير الأزمة واستمرارها ما يتيح له إدارتها من الخلف، شريطة أن لا تتجاوز منطقة الريف فيفقد القصر المبادرة وتنتصر إرادة الشعب على إرادة الملك وأسياده، وفي سبيل ذلك اتخذ النظام مجموعة مقاربات خطيرة لعل أبرزها:

تعطيل تنفيذ المشاريع التنوية بذريعة عدم تمكين الأحزاب في الحكومة من الاستفادة منها انتخابيا، مضاف إلى ذلك قرار البلوكاج لاغتيال بن كيران سياسيا في أفق تفجير حزبه وتفكيكه.

محاولة ربط حراك الريف بالعامل الخارجي، سواء من خلال اتهامه بالتبعية لإيران، أو الجزائر، بل ووصل العهر السياسي حد اتهام الزفزافي ومن معه بتلقي تمويل من البوليساريو حينا (وفق جريدة الصباح)، والدياسبورا أحيانا وفق ما ورد في محاضر الضابطة القضائية (قضية سعيد شعو وارتباطه بحركة الجمهوريين المغاربة في الخارج نموذجا)، بهدف تخويف باقي المناطق المغربية من دعم حراك مشبوههدفه انفصاليكما حاول المخزن الترويج لذلك.

محاولة تحييد الإعلام المستقل وكل الأصوات الشريفة الداعمة لمطالب الحراك من خلال سيف القضاء، لإسكات كل من تسول له نفسه التغريد من خارج إيقاع جوقة النظام.

محاولة إجهاض الحراك بالمقاربة الأمنية الوحشية ضد المواطنين المسالمين، واعتقال القيادات والمناضلين الشرفاء الذي يحركون الشارع، وتقديمهم لمحاكمات سياسية صورية، في ردة خطيرة ضربت في العمق كل ما حققه المغاربة نظريافي مجال الحقوق والحريات.

كل هذه المؤشرات تؤكد أن النظام استثمر بانتهازية خبيثة في حراك الريف تمهيدا لانقلاب بـ 180 درجة على التجربة الديمقراطية الصورية. وقد تجلى ذلك واضحا في انتقاد الملك للأحزاب والمؤسسات في خطاب العرش، تمهيدا لاستبدال الحكومة المنتخبةعلى علاتها بحكومة تكنوقراط لتنفيذ رؤية الملك الثوريةالجديدة الهادفة إلى تحويل المغرب من دولة في خدمة مواطنيها إلى شركة مساهمة في خدمة مجمّعات المال والشركات العابرة للقارات، يقودها في الواجهة أو من الخلف (حسب الظروف) الماسوني عزيز أخنوش رجل المرحلة الذي امتدح الملك إنجازاته الوهمية… وهذا التحول يتطلب حكما ثورة على مستوى المؤسسات لتعديل أدوارها وتغيير نظام عملها من النظام البيروقراطي الفرنسي الجامد إلى النظام الأنكلوسكسوني الأمريكي المرن.

والسؤال الذي يطرح اليوم هو: أمام صراع الإرادات المحتدم اليوم بين القصر والشعب، هل يمكن أن يتحول حراك الريف إلى ثورة شعبية عارمة تعم مختلف مناطق البلاد؟..

انتصار إرادة الشعب تتوقف تحديدا على الخطة التي يعتزم بها الشباب المغربي مواجهة خطة النظام.. وفي هذا الصدد لا نزال نلحظ عوامل سلبية لا تساعد على التفاؤل، مردها ضبابية المشهد وعدم فهم خطة النظام بالعمق المطلوب، وما يسعى لتحقيقه في المدى المنظور، لذلك نسمع من يقول أن لا أحد يعلم ما يدور في رأس الملك، ما يضع الجميع في غرفة الانتظار ويتيح للقصر التصرف دون خوف أو قلق يذكر.

فمثلا، وبرغم المواقف السياسية المتبصرة والمشجعة لكتلة اليسار وجماعة العدل والإحسان، إلا أن غياب التنسيق بينهما باعتبارهما القاطرة القوية التي بإمكانها تغيير المعادلة لغير صالح النظام لم يترجم إلى إطار عملي لقيادة الحراك وفرض إرادة الشعب. وهذه نقطة ضعف خطيرة تصب رأسا في مصلحة النظام ولا تجعله يقلق.. لكن هذه المكونات من حيث تدري أو لا تدري، تضع نفسها أمام المساءلة التاريخية في حال انتصرت إرادة القصر، لأن هزيمتها ستكون قاسية أكثر بكثير من هزيمة الشعب، والمصداقية لا تكتسب بالتصريحات والأقوال بل بالمواقف والأفعال.

كما وأن تقاعس الشباب عن معاودة إحياء التنسيقيات التي قادت انتفاضة 20 فبراير على مستوى المدن والأحياء أعطى مؤشرا مشجعا للنظام مفاده، أن حراك الريف وبرغم أن مطالبه هي نفس مطالب كل المغاربة في مختلف مناطق البلاد، إلا أن فقدان الشباب للحماسة هذه المرة لن يحوّل حراك الريف إلى انتفاضة شعبية عارمة قد تجرف النظام وأدواته في حال أصر على المضي قدما في تنفيذ رؤية أسياده التي تبشر بضياع الوطن والمواطن معا.

ويلاحظ أنه على مستوى الفيسبوك الذي يمثل متنفسا بديلا للشباب ومصدرا مهما للأخبار والرأي، يفضل عديد الشباب الاهتمام بنشاطاتهم الشخصية وتعليق صورهم. كما أن بعضهم يطرح مواضيع تافهة تبعث على الغثيان، في ما حوّله البعض الآخر  إلى ساحة للدعوة والإرشاد والدعاء، وقلة قليلة هي من تركز على القضايا المصيرية التي تمر منها البلاد حاليا، بالإضافة إلى مبادرات بعض الشرفاء المخلصين من أكداميين ومثقفين وإعلاميين ممن يعطون الكثير من الوقت ويبذلون الكثير من الجهد لتبقى شعلة الحراك متقدة في النفوس.

ويبقى الاحتمال السلبي الثالث، ومؤداه، أن النظام بإمكانه تمرير مشروعه الجديد وتحريف انتباه المغاربة عنه من خلال إشغالهم بإجراءات جانبية من قبيل العفو عن مجموعة جديدة من المعتقلين وتسريع إنجاز المشاريع التي طالب بها الحراك في الريف، لنزع الشرعية عن أي تحرك محتمل يهدف إلى تفجير انتفاضة على المستوى الوطني.

نقول هذا لأن النظام نجح في اختزال مطالب حراك الريف في مطلب إطلاق سراح المعتقلين، وهي ورقة قوية بيده يتحكم من خلالها في مسار ومصير الحراك.

لكن السؤال الكبير يبقى معلقا بالنسبة لقائد الحراك ورمزه المناضل ناصر الزفزافي وقلة قليلة جدا من رفاقه، لأن هناك تخوف كبير من قبل النظام يمنعه من الإقدام على مغامرة إطلاق سراحهم، بسبب وجود قناعة راسخة لدى القصر تقول، بأن الزفزافي ومن معه قد يهربون إلى مليلية ويطلبون اللجوء السياسي من إسبانيا، ومن هناك بإمكانهم الانتقام من النظام بدعم قويّ من الدياسبورا، ومن إسبانيا بشكل خاص، المتضررة من توجه الملك الجديد لرهن المغرب لفرنسا وأمريكا على حساب مصالحها.

من هنا يفهم سبب لجوء وكيل الملك لتكييف التهم ضد الزفزافي ورفاقه في إطار الفصل 201 و 202 من القانون الجنائي التي تصل عقوبتها حد الإعدام، لتغييبهم وراء القضبان لسنوات طويلة، وقد جاء هذا التكييف وفق ما أعلنه الأستاذ زيان بطلب من وزير العدل الذي تلقى التعليمات من القصر، والغريب أن قاضي التحقيق لم يكلف نفسه عناء مراجعة الملف والتأكد إن كان التكييف القانوني لوكيل الملك يتساوق مع خطورة الأفعال المنسوبة إلى المشتبه بهم، بل فضل التخلي عنه ليأخذ مساره نحو المحاكمة في شهر شتنبر القادم.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*