أي إسلام نريد في المغرب؟…

خاص: بانوراما اليوم / ياسين شرف

الإصلاح الديني ليس موضوعا جديدا يطرح لأول مرة في الساحة الفكرية، فقد كان مثار نقاش بين المفكرين منذ قرن من الزمن على الأقل، حيث بدأ بمطالبة الإسلاميين المصلحينبتجديد المنظومة الفكرية الدينية من الداخل لتتلاءم مع متطلبات العصر، مرورا بمطالبة العلمانيين بمراجعة التراث بهدف استبعاد الديني عن السياسي وتطبيق الأنموذج الديمقراطي الغربي كشرط للنهضة، وانتهاء بدخول الأنظمة مؤخرا على الخط لتفجير نقاش واسع حول الموضوع بين الإسلاميين والعلمانية ثم الإسلاميين والإسلاميين، وذلك في إطار ما أصبح يعرف بمحاربة الجذور الفكرية للتطرف وتبني إسلام وسطيمعتدل لا يعادي أحدا ويدعو إلى التطبيع مع إسرائيل“.

والمتابع لمسيرة هذا النقاش سيكتشف بالمحصلة أنه كان نقاشا فاشلا تحول بسرعة إلى نقاش طرشان، لأنه تجنب وضع منهج موضوعي يؤطره، وأهداف عملية باستراتيجيات واضحة تساعد على تحقيقها، ومعايير دقيقة توضح المبادئ والثوابت التي تحكم النقاش والتي على أساسها يتم تحديد المفاهيم لتكون اللغة المستعملة مفهومة من قبل المتحاورين أنفسهم.

ولأن الدين موضوع يهم الجميع باعتباره الهوية الأساس والوعاء الجامع لمختلف الهويات الفرعية، فإن النقاش يجب أن يشارك فيه المجتمع بكل مكوناته الإثنية والمذهبية ومشاربه الفكرية وتوجهاته السياسية، ولا يمكن حصره في النخب فحسب، لأن الله جعله دينا للعالمين وبعث رسله للناس أجمعين ورفض أن يكون بينه وبين عباده كاهن أو فقيه أو وصي أو وسيط.

وبالتالي، إذا سلمنا بهذا المعطى الجوهري، واتفقنا على أن الله صاحب الدين هو رب العالمين جميعا، فسنصل إلى حقيقة نهائية تقول، أن الدين هو شأن مجتمعييقوم على حرية الاعتقاد، وأن لا حق لنظام في ادعاء الوصاية الروحية على الناس، ولا حق لمؤسسة فقهية في أن تحتكر إنتاج المعنى باسم المذهب وتدعي الحق في التكلم بلسان الله، هذا اختزال مرفوض للدين يؤدي حتما إلى الكهنوت.

هذا التفكيك وإن كان يتساوق مع العلمانيةمن حيث الظاهر، إلا أنه في الجوهر يخالفها جملة وتفصيلا، لأنه يقترح منظومة دينية جديدة تنزع من المستوى السياسي التحكم الديني وتعيده إلى المجتمع ليتمكن بإرادته التي هي من إرادة الله في أن يوجه ويضبط عمل السياسة بآليات الرقابة الأخلاقية.. والمسلمين ليسوا بحاجة لاختراع إسلام جديد، بل المطلوب هو استبدال إسلام الفقهاء المحرف بإسلام القرآن الصحيح.

إنها منظومة لم تطبق حتى الآن في التاريخ الإسلامي، لا زمن الخلفاء ولا خلال الأزمنة التي أتت بعد ذلك، وما يميزها أنها تؤسس لإقامة دولة الإنسان التي تمتح من معين القرآن، أي منظومة قيمية وأخلاقية خاصة على مقاس المؤمنين لا تشبه في شيئ نظام الخلافة المبتدع الذي أسس للإقطاع وسرق من الناس دنياهم وحولهم إلى قطيع، ولا النظام العلماني كما هو متعارف عليه في الغرب والذي يعني إقامة دولة لا دينية تهتم بشؤون الناس الدنيوية ولا علاقة لها بالله ودينه وخلاص الإنسان في الآخرة.

لهذا، فالحوار المطلوب اليوم من قبل الأنظمة بضغط صهيو – أمريكي – أطلسي، لا يسعى لأن يعيد للناس شرعهم الجماعي ليقيموا أنموذجا إسلاميا خاصا بهم، بل الهدف هو تحويل الدين إلى جثة محنطة في المساجد تهتم بالطقوس دون أن تتجاوز ذلك إلى فضاءات الواقع المعاش بتعقيداته، ما دام هذا الواقع وفق الرؤية القرآنية يمثل التجربة الأرضية التي هي ميدان الاختبار العملي لإيمان الناس والذي على أساسه ستتم محاسبتهم في الآخرة.

لأنه إذا كان الهدف من الدعوة القائلة باستبعاد الديني عن السياسي هو لضرب ما أصبح يعرف بـالإسلام السياسيمن دون الحديث عن استبعاد الدين عن السياسة على مستوى النظام لتفكيك التحالف القائم بين السلطة والفقهاء، والذي يعتبر بحق السبب الرئيس في كل المصائب التي حلت بالأمة منذ القرن الهجري الأول وإلى يوم الناس هذا، فإن هذا المسعى سيفشل بالتأكيد ولن يؤدي لنتيجة تذكر، لأنه حوار مغشوش وهدفه خبيث والناس ليسوا أغبياء لينساقوا وراء هذا التزوير والتحوير والتضليل الذي يهدف إلى إقصاء الدين من حياة الناس.

نقول هذا لأنه إذا كان الدين هو المستهدف بالنهاية، فإن جوهر المشكلة لا يكمن في الدين بقدر ما يتعلق الأمر باستغلال الدين في السياسة ما أدى لسوء فهم الدين والسياسة معا، الأمر الذي يستوجب التفريق بين الحقيقة الدينية التي تعتبر بمثابة الضمير المتحكم في السياسة من جهة، والفهم البشري النسبي لهذه الحقيقة والذي وضعته المؤسسة الفقهية في قالب دوغمائي لتسمح للسياسة بالتحكم في الدين بدل أن يكون الدين هو من يراقب السياسة ويوجه عملها، من دون أن يعني ذلك إقامة دولة دينية بالضرورة، لأن السلطة لن تكون بيد الحاكم أو الفقيه بل بيد الناس من خلال ممارسة الشرع الجماعي.

وفي هذا الإطار تعتبر الدعوة إلى فصل الدين عن السياسة دعوة خطيرة بكل المقاييس، لأن السياسة هي قلب الدين والدين هو روح السياسة، ومن يسعى لفصلهما إنما يسعى لقتل الدين والسياسة معا، والمطلوب اليوم ليس تحرير السياسة من الدين، وإنما تحرير الدين من قبضة السياسة وإعادته لأصحابه الشرعيين، أي الناس.

والمفارقة، أن ما تسعى إليه الأنظمة العربية الدائرة في الفلك الصهيو أمريكي والمغرب من ضمنها، هو فصل الدين عن السياسة على المستوى المجتمعي بزعم القضاء على ظاهرة الإسلام السياسي التي ترى فيه عدوا وجوديا لها، لكنها ترفض من جهتها التخلي عن التحكم في الدين بالسياسة مخافة أن يتفطن الناس لحقيقة اللعبة، وهي محاولة غبية تمثل انتكاسة بالعودة إلى عصر الإقطاع في أبهى صوره من دون معارضة تذكر، لا من داخل المنظومة السياسية كما تنص على ذلك قواعد الديموقراطية العلمانية، ولا من داخل المنظومة الدينية كما ينص على ذلك مبدأ الشوري وقواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الدينية.

وبالتالي، فالمطلوب اليوم ليس تحرير السياسة من الدين كما تريد الأنظمة العربية من دون أن تتخلى عن سيطرتها على المجال الديني، وإنما تحرير الدين من قبضة السياسة الإقطاعية، وهذا لن يكون ممكنا إلا من خلال إقامة المجتمع المسلم لمؤسسة فوق سياسيةلمراقبة العمل السياسي وإخضاعه لضوابط العدل والأخلاق الدينية التي لا تتعارض مع مبادئ العدل والأخلاق الكونية.

وهذا هو السبيل الوحيد لإقامة الدين وإصلاح السياسة من خلال الشرع الجماعي لا شريعة الفقهاء التي وضعت لخدمة الإقطاع، وذلك انطلاقا من مبادئ القرآن التي تقول:

أولا: أن الدين هو بالأصل فطرة صبغ بها الله عباده كافة كما يؤكد ذلك في قرآنه (فطرة الله وصبغته)، وهذا يعني أن الإيمان هو من مجال الفطرة الكامنة في جينات البشر لا وصفة سحرية يتلقاها الإنسان من كاهن ليصبح مؤمنا.

ثانيا: أن الدين هو علاقة بين العبد وربه وأنه منظومة قيم وأخلاق ومعاملات تتجلى من خلال الأعمال الصالحة قبل أن يكون طقوس وعادات يلتزم بها المؤمن وفق ما تروج له المنظومة الفقهية التي اختزلت الدين في الشريعة ليتسنى لها التحكم في تفاصيل حياة الناس بما فيها الحميمية وفرض نمط أحادي من التفكير حوّل الناس إلى قطيع.

ثالثا: أن لا وجود لتعدد الأديان بتعدد الرسل والرسالات، بل هناك دينين فقط: دين الله الحنيف ودين الكافرين به، بدليل قوله تعالى (وقولوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين)، وهذا يعني رفض الوصاية على الدين من قبل أي مؤسسة فقهية كهنوتية يهودية أو مسيحية أو غيرها، لأن الله أمر رسله جميعا باتباع ملة إبراهيم لا سنة الفقهاء (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم وما كان من المشركين).

رابعا: أن الله لم يؤمر رسوله بوضع سنة خاصة به ومطالبة المسلمين باتباعها، بل بعثه خصيصا لإصلاح الخراب الذي حل بالدين بسبب السنة التي ابتدعها الكهنة بعد موسى وعيسى عليهم السلام جميعا، ولقطع الطريق على الكهنة من أي محاولة التخريب بعث الله رسوله بكتاب جامع لكل الرسالات السابقة منقحة من التحريف سماه قرآناليكون المرجع الأساس للناس كافة في شؤون الدين والدنيا، وأمره باتباع ملة إبراهيم حنيفا، وأخبره أن السنن الوحيدة التي يجب الإيمان بها هي سنن الله في الكون والخلق والتي تتجلى من خلال أحداث التاريخ فلا تتبدل ولا تتغير ولا تتحول.

لكن الفقهاء كانت لهم وجهة نظر أخرى، فوضعوا دينا جديدا على مقاس الإقطاع يعتبر نسخة مشوهة إلى أقصى الحدود عن الإسلام كما جاء في القرآن، والدارس لكتب الفقه سيصعق لا محالة بحجم الخراب الذي طال الدين، وسيكتشف بسرعة أن الفقهاء لم يطوروا منظومتهم انطلاقا من سنة النبي محمد الذي ظل يتحدث لعشرات السنين بعد وفاته، بل من سنة اليهود، وهذا موضوع يحتاج لكثير من التفصيل ليس مقامه هذا المقال المقتضب.

خامسا: أن الدين الذي اختاره الله لعباده سماه الإسلام، منذ نوح صوعا إلى محمد هبوطا، مرورا بإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الرسل والأنبياء ممن نعلم ولا نعلم عليهم السلام جميعا، وقال أن (من يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه)، لكن الفقهاء من جهلهم اعتقدوا أن الإسلام الذي جاء به محمد هو غير إسلام الأنبياء والرسل والأمم السابقة، وأنه دين خاص بأمته دون سواها، وهو ما لم يقله حتى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم حيث أكد أنه لم يأتي بدين جديد بل بعثه الله ليكمل للناس دينهم القديم على ملة إبراهيم بمكارم الأخلاق.

سادسا: أن الدين يرفض عقلية القطيع ونمط التفكير الأحادي، بديل أن الله خلق الناس مختلفين لأن من الاختلاف ينبع نور العلم والمعرفة وتتجلى الحقائق، لقوله تعالى (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم).

سابعا: أن لا وجود في الدين لشيئ إسمه الخلافة أو الدولة الإسلامية، لأن الله امتدح الملكة بلقيس لأنها أقامت ملكها العظيم على مبدأ الشورى والعدل وحققت لدولتها القوة ولشعبها الرفاه، وهذه هي الأسس التي امتدحها الله لكنه ترك مسألة اختيار طبيعة الدولة ونظام الحكم لقرار الناس ليقيموا ما يرونه مناسبا لعصرهم بهدف تحقيق العدل والمساواة والرفاهية في الدنيا وضمان الخلاص في الآخرة، بدليل، أن الدين شأن مجتمعي سابق على قيام الدولة الإسلامية والمؤسسة الفقهية معا، وقد جاء الدين تحديدا لنزع الحكم من الإقطاع وتسليمه للناس ليكونوا عبادا لله الذي هو في الأرض إله وفي السماء إله لا عبيدا لخلقه، كما أن الله لا يحاسب الدولة أو القبيلة أو الجماعة أو الحزب بل يحاسب الناس فردا فردا كل حسب ما قدمت يداه بمقتضى الخلافة الفردية ومسؤولية تحمل الأمانة لقوله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة).

ثامنا: الدين ليس فقها، واختزاله في مذهب يحوله إلى دين طائفي ينتج الخلاف والفرقة والتناحر بين أبناء الدين الواحد: والله تعالى يقول (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا). خصوصا بعد أن جاءتهم البينات من ربهم في كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.

تاسعا: إن مفاتيح الجنة والنار ليست بيد طائفة أو تيار أو حزب أو مؤسسة فقهية أو حاكم بأمره، بل بيد الله تعالى دون سواه، وهو من يهدي وهو من يضل، ويغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، ورحمته وسعت كل شيئ دون استثناء، ووفق هذا المبدأ فلا وصاية لحاكم على عقيدة الناس ولا سلطة لفقيه على تصرفاتهم.

عاشرا: مما سلف، يتضح أن كلمة مواطن في مجتمع مسلم لا تعني أتباع معتقد أو مذهب أو تيار أو جماعة أو حزب بعينه، بل أتباع كل الرسل والرسالات وأصحاب كل المعتقدات باعتبارهم مسلمين، وتعطي للجميع حرية الإيمان من عدمه بما في ذلك الملحدين بحكم قوله تعالى: (لا إكراه في الدين من شاء فيؤمن ومن شاء فليكفر إن الله غني عن العالمين)، وحرية الاختلاف والرأي والتعبير، والحق في المشاركة في القرار السياسي وإدارة شؤون البلاد.

من هنا نخلص إلى أن المراجعة المطلوبة لا يجب أن تنصب على كتب الفقه والحديث سواء للبخاري أو مسلم أو غيره، لأنها مضيعة للوقت ما دام المطلوب أولا هو وضع المعيار الذي يمكن أن يقاس عليه ما جاء في التراث لمعرفة الصحيح منه من الخاطئ، والمعيار في هذه الحالة هو القرآن الذي يمثل الحقائق الدينية التي تم تجاهلها والقفز عليها من قبل الفقهاء.

وبالتالي، فالمطلوب اليوم وبإلحاح شديد، هو وضع منظومة مفاهيمية جديدة انطلاقا من القرآن الكريم لتصحيح ما علق في أذهان الناس من شوائب، وعلى أساسا النتائج يمكن بعد ذلك التفرغ لمراجعة التراث وتنقيحه، وهذا عمل يتطلب انخراط الجميع ما دام الخطاب القرآني يخاطب الناس كافة لا الفقهاء والحكام الذين لا حق لهم في احتكار إنتاج المعنى على هواهم وفرضه على الناس كما كان يفعل أحبار اليهود قديما وقساوسة الكنيسة في العصر الوسيط.

إن الإصلاح الديني الحقيقي لكي يكون منتجا وعمليا لا بد وأن ينطلق من إعادة تصحيح المفاهيم انطلاقا من القرآن، ما سيؤدي حتما إلى إصلاح العقل والقيم والأخلاق، فينعكس ذلك إيجابا على ممارسات الناس في تجربتهم الأرضية، من دون ذلك لن يحصل التصالح بين الدين والسياسة، ولا بين الإنسان ودين الكهنوت الذي يحول بينه وبين حقه في نعيم الدنيا قبل نعيم الآخرة، وسيظل عبد المولى يعيش مستضعفا في ضيعة مولاه إلى أن ينتقل إلى العالم الآخر فيكتشف المقلب ويدرك أنه كان ضحية خديعة كبرى.

حينها لا عذر له، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حين سيسأله ربه عن تخلف أمته والظلام الذي عاشت فيه من بعده، سيقول له: (يا ربي إن قومي تركوا هذا القرآن مهجورا).

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*