التَّدافع القاتل من أجل الغذاء يكشف فقر المغرب الخفيَّ..

بانوراما اليوم / تقرير

بدأوا بالتجمُّع في الثانية من صباح الأحد 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2017؛ للانتظار في طابورٍ للحصول على غاز الطهي والسكر والطَّحين، السلع التي كان يُوزِّعها إمامٌ محليٌّ وجمعيته بالسوق في سيدي بولعلام، وهي قريةٌ بالقرب من مدينة الصويرة الساحلية.

ولاحقاً هذا الصباح، عندما بدأت الجمعية في توزيع مواد الغذاء المجانية، أصبحت الحشود التي تجمعت بسرعةٍ عنيفةً في سلوكها، وتحوَّل الأمر إلى حالةٍ من التَّدافع والذُّعر الجماعي. وتُوفِّيَت 15 امرأة بينما كان الإمام وآخرون يقفون مُتفرِّجين.

تقول امرأة نقلت عنها وسائل إعلامٍ محلية: “لقد كان الاهتمام الرئيسي لمسؤولي التوزيع هو تصوير العملية. وكان الناس يطلُبون من المُنظِّمين التدخُّل لمساعدة الضحايا، لكنَّهم لم يُلقُوا لهذه الدعوات بالاً، واستمروا في التصوير!”.

ولا تزال الشرطة تُحقِّق في السبب الفعلي لحدوث عملية التدافع بهذه المدينة السياحية المشهورة بإنتاج زيت الأركان، المُستخدم على نطاقٍ واسعٍ كمكوِّنٍ في منتجات التجميل، وفق ما ذكره تقرير لموقع ميدل إيست آيالبريطاني.

ومنذ ذلك الحين، استدعت الشرطة الإمام عبدالكبير الحديدي، وهو شخصيةٌ مشهورة له متابعون كُثر على الإنترنت، وبعد ذلك أطلقت سراحه.

ومع هذا، يعتقد الكثير من متابعي الحدث أن التركيز على موزعي المواد الغذائية يتجاهل الظروف البائسة التي يعيش فيها الناس وأدت إلى هذه الوفيات.

وعلَّق فؤاد عبدالمُمني، الاقتصادي والناشط الذي سُجِنَ أثناء ولاية الملك الحسن الثاني والد الملك الحالي: “إنَّهم يبحثون عن الجناة؛ لإرضاء الرأي العام“.

وربط البعض حالات الوَفَيَات باستياءٍ أوسع من حالة الفقر، وانتهاكات حقوق الإنسان ومشروعات البنية التحتية الضخمة التي بدأت فيها الحكومة منذ اندلاع ثورات الربيع العربي.

ووفقاً للبنك الدولي، قضى المغرب على حالة الفقر المُدقِع التي عاناها الكثير من المواطنين على مر أجيال.

وبينما انخفض معدل الفقر الرسمي لأقل من 5% عام 2014 وفقاً لأحدث بيانات متاحة، فإنَّ نحو 16% من سكان البلاد، البالغ عددهم 35 مليوناً، يعيشون على 3 دولارات في اليوم، وفقاً للبنك الدولي.

وتصل معدلات البطالة إلى 10% وفقاً لإحصائيات الحكومة، وتنتشر البطالة بشكلٍ واسع في أوساط الشباب على وجه الخصوص، ولا يزال ثلث السكان غير قادرين على القراءة أو الكتابة.

الفقر الخفي

في السنوات الأخيرة خضع المغرب لعملية تطويرٍ سريعة، لكن تتسم بعدم المساواة. وأصبحت مشروعات البنية التحتية الضخمة هي القوة الدافعة للاقتصاد. وافتُتح ميناء طنجة المتوسطالعملاق للحاويات في مدينة طنجة عام 2007.

واشترى المغرب قطارات فرنسية فائقة السرعة لربط مدينة الدار البيضاء بمدينة طنجة، فضلاً عن بناء طرقٍ سريعة جديدة ومطارات ومحطات قطارات.

وبينما تُثير مؤسسات الإقراض الدولية المخاوف حول عجز دولة المغرب وديونها المتضخمة، يشتكي المواطنون العاديون خاصةً الشباب، من أنَّهم لا يرون زيادةً في الفرص الاقتصادية تتناسب مع حجم هذه المشروعات.

ويقول فؤاد إنَّه بدلاً من تطوير اقتصادٍ يُمكنه خلق فرص عمل للمواطنين، فإنَّ إصلاحات المغرب الاقتصادية أرغمت الناس على التوجه إلى الجمعيات الخيرية لطلب المساعدة.

وأضاف: “هذه فضيحةٌ سياسية لدولةٍ لم ترغب قط في التعامل مع مشكلة إنتاج الثروة وتوزيعها. يُمكننا إخفاء الفقر جيداً، لكنَّه في الغالب يكشف عن نفسه بشكلٍ مروع كما حدث بهذه القضية. المغرب ليس دولةً غنية، ولكنَّه ليس فقيراً لدرجة حدوث ذلك. هذا عار!”.

ومنذ عام 2011، تغير المشهد السياسي أيضاً. فعندما أطاحت الثورات بالحكومات في الدول الأخرى بالمنطقة، أجرى الملك محمد تغيراتٍ دستورية؛ لتلبية دعوات الشارع لمزيدٍ من الديمقراطية والمساواة الاجتماعية.

وفي هذا العام، فاز حزب العدالة والتنمية الإسلامي بالانتخابات، وعُيِّنَ عبدالإله بنكيران رئيساً للوزراء.

وفاز الحزب مجدداً في انتخابات 2016، لكنَّ البلاط الملكي دبَّر مأزقاً سياسياً من خلال تشجيع الأحزاب الأخرى على رفض تشكيل تحالف مع بنكيران، وعيَّن سعد الدين العثماني، الذي ينتمي أيضاً إلى حزب العدالة والتنمية، رئيساً للحكومة.

ووفقاً لفيش ساكثيفل، الزميلة ببرنامج الشرق الأوسط التابع لمعهد أبحاث السياسة الخارجية خبيرة شؤون الإسلام السياسي في المغرب، فإنَّ حزب العدالة والتنمية منذ 2011 خدم مصالح البلاط الملكي (المعروف بالمغرب بمصطلح المخزن“)، الأمر الذي تسبب في سقوط شعبية العثماني.

وأضافت فيش: “خطوة المخزن لإضعاف حزب العدالة والتنمية من خلال تهميش قائده الشرس قد تعود بنتائج عكسية. فالعثماني لا يحظى بالكاريزما نفسها بين أعضاء الحزب أو القطاع الأكبر من المواطنين، الذين حتى لو لم يكونوا يُعرِّفون أنفسهم بأنَّهم من أنصار حزب العدالة والتنمية، فإنَّهم يصوتون بنحوٍ متزايد للحزب“.

وتدرك السلطات المغربية أيضاً التوترات التي تغلي ببطء في منطقة الريف الجبلية، حيث يعيش البربرالذين عارضوا النظام الملكي بالبلاد فترة طويلة.

عام بعد حادثة محسن فكري

تُوفِّيَ العام الماضي بائع السمك محسن فكري في الريف طحناً بينما كان يُحاول استعادة بضاعته من سمك أبوسيفالممنوع صيده، بعد أن ألقتها الشرطة داخل آلة سحق النفايات.

وبالنسبة للكثير من الناس، كانت وفاته رمزاً للفساد في الدولة واضطهاد أكثر المناطق المحرومة من الخدمات بالبلاد. وتلت الحادثة أشهرٌ من الاحتجاجات قوبلت باعتقالاتٍ وحركة قمع واسعة.

وخشيَ كثيرون من اندلاع ثورةٍ كاملة في منطقةٍ واجهت القوات الإسبانية والفرنسية خلال الحقبة الاستعمارية، وتمردت عام 1956 بعد وقتٍ قصير من حصول المغرب على الاستقلال من فرنسا.

ولا يزال مئات المحتجين في المعتقلات بانتظار محاكماتهم، بينما حُكِمَ على آخرين منهم بالسجن فتراتٍ تتراوح من أشهرٍ إلى سنوات. ويقبع حالياً ناصر الزفزافي، قائد مظاهرات الحراك الشعبي، في حبسٍ انفرادي مع قادة الحراك الآخرين. ولطالما تعرض الصحفيون لمحاكماتٍ بسبب الحديث عن نشاطات قادة الحراك.

ويقول منير يعقوبي، أحد أفراد الحراك الشعبي، (36 عاماً)، الذي اعتُقِلَ عدة ساعات في يوليو/تموز الماضي خلال وقفةٍ احتجاجية: “لنكن واقعيين، لا يمكن لدولةٍ الإفراج عن المحتجزين والمخاطرة بتحويلهم إلى أبطال. الكثير منا في السجن، لكن الحياة ينبغي أن تستمر. لكن كما ترون، نشعر جميعاً بالحزن. مدينة الحسيمة حزينة“.

واندلعت الاحتجاجات أيضاً في أجزاءٍ أخرى من المغرب بسبب نقص المياه. ويقول الاقتصاديون والخبراء إنَّه إذا لم يهطل المطر قبل نصف ديسمبر/كانون الأول، فإنَّ البلاد قد تواجه أزمةً سياسية.

ويقول محمد أنفلوس، العضو بفرع مراكش التابع للجمعية المغربية لحقوق الإنسان: “الشعب محرومٌ من كل حقوقه، خصوصاً النساء، من الماء ومن الحصول على الرعاية الصحية والتعليم. وما يُثير قلقنا هو الوضع الذي تسبب في هذه الحادثة، الدولة تخذل مواطنيها“.

ويؤكد محمد مصباح، المحلل والزميل المشارك في معهد تشاتام هاوس“: “من المُرجَّح حدوث اضطرابات بسبب مشكلات المياه والبطالة. وهذا يُشير إلى أنَّ المشكلات الهيكلية لم يُتعامل معها حتى الآن“.

وفي ردٍ على الاضطرابات، ألقى الملك بمسؤولية الإدارة السيئة لموارد البلاد على النخبة الحاكمة في أكتوبر/تشرين الأول، قائلاً إنَّ الاستثمارات العامة يجب أن تُساعد الشعب. وبعد وقتٍ قصير من الخطاب، أقال عدداً من الوزراء، من ضمنهم وزيرا التعليم والصحة. وشكَّك كثيرٌ من المراقبين فيما إذا كانت هذه الخطوات ستساعد في حل الأزمة.

ولم تفجع حادثة التدافع إلا عدداً قليلاً من المغاربة. وحذَّر أنفلوس من أنَّ الحوادث المشابهة مُرجَّحٌ حدوثها الفترة القادمة.

وأضاف: “ما حدث لم يكن استثناءً. فهذا النوع من عمليات التوزيع شائعٌ هنا“.

من جهة أخرى، أقرّ سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة المغربية، مساء الأربعاء، بأن الترسانة القانونية (الأنظمة القانونية) لتحقيق التنمية المستدامة في البلاد، ناقصة ومتجاوزة أحياناً“.

جاء ذلك خلال إطلاقه الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، بمقر رئاسة الحكومة بمدينة العرفان (غرب). وقال العثماني، في كلمته، إن تنفيذ الاستراتيجيات القطاعية على المستوى الجهوي (الإداري) يعرف عدة مشكلات تهم الاندماج والتناسق والتخطيط والتمويل“.

وأشار إلى أن غالبية القطاعات لا تتوافر (لا تملك) على آليات تتبع تنفيذ استراتيجياتها، ما يجعل عملية التقييم الدقيق للنتائج المحصل عنها صعبة المنال“.

ومطلع يونيو/حزيران الماضي، صادق مجلس الوزراء المغربي على مشروع الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، التي اعتمدت يوم 25 من الشهر نفسه، بهدف تحقيق الانتقال التدريجي نحو الاقتصاد الأخضر الشامل وجعله في خدمة القضاء على الفقر.

وتنص على تحديد 7 رهانات أساسية كبرى، وأيضًا المحاور الاستراتيجية لكل رهان، وبلغت في مجملها 31 محورًا استراتيجيًا بهدف تحقيق الانتقال التدريجي نحو الاقتصاد الأخضر الشامل وجعله في خدمة القضاء على الفقر.

ولتفعيل الاستراتيجية الوطنية رصدت البلاد موازنة تبلغ 97 مليار درهم (9.63 مليار دولار)، خلال الفترة 2016-2020.

———————-

(هاف بوست عربي)

كن اول من يعلق

اترك جوابا

لن ننشر عنونك الالكتروني


*