بسبب إفلاسه..المغرب على أبواب عهد جديد من الحماية

خاص: بانوراما اليوم / ياسين شرف –

ما أشبه اليوم بالأمس، لأنه إذا كان إفلاس الدولة في عهد السلطان عبد العزيز العلوي قد أدى لتنحيته، وتعيين فرنسا للسلطان عبد الحفيظ مكانه، وتوقيع اتفاقية الحماية في 30 مارس 1912، والتي احتلت بموجبها فرنسا وإسبانيا المغرب عسكريا بذريعة استيفاء الديون المترتبة عليه.. فإن الوضع في عهد الملك محمد السادس لا يختلف في شيئ عن الوضع الذي مهد لدخول الاستعمار بالأمس، وهو ما يستشف من ثنايا خطاب العرش من خلال لغة الرمز والإشارة بدل صريح العبارة..

فالملك خدع المغاربة حيت تجنب الحديث عن إفلاس المغرب القانوني بعد أن وصل سقف الدين الخارجي مستوى كارثي في حدود 84 % من الناتج الداخلي، وهو مرشح لأن يتحول إلى إفلاس واقعي بحلول سنة 2020 وفق تقرير مجلس الحسابات وتقرير والي بنك المغرب الذي أوصى الملك بتعويم الدرهم للتخفيف من تداعيات الكارثة.. وفضل تعليق شماعة الفشل على الأحزاب والمؤسسات، في تكتيك استباقي يهدف إلى ترهيبها بهدف تمرير القوانين والإجراءات الخطيرة المقبلة لتسليم المغرب إلى مؤسسات وشركات الحكومة السرية العالمية بيلدبيرغ“.

ولعل الاختلاف الوحيد هو في طبيعة هذا الاستعمار، بحيث كان عسكريا بالأمس، فيما اليوم يتخذ شكلا اقتصاديا بحماية أمنية متوحشة. هذا فيما السبب يبقى هو نفسه، أي تفاقم ديون المغرب وعجز الدولة عن الوفاء بها، أو بمعنى أكثر وضوحا، إفلاس الدولة، لا بسبب القوة القاهرة أو الحروب والمغامرات العسكرية الطائشة كما حدث لتركيا زمن السلطة العثمانية، أو ألمانيا زمن النازية، أو الاتحاد السوفياتي السابق زمن الشيوعية.. بل بسبب فساد النظام أو ما يمكن تسميته بالمصطلح القانوني بـجريمة التفالسبسوء نية عن عمد وسبق إصرار، لعلمه أن دستور 2011 لم يخصص بندا يقول بوجوب محاكمة رئيس الدولة على فساده، كما هو الحال في الدول التي تحترم نفسها.

وللخروج من مأزقه، وحتى لا يكون آخر الملوك العلويين كما كان متوقعا، فقد قرر الملك السير على نهج أجداده ورهن المغرب للاستعمار القديم الجديد مقابل الحماية. وهو ما يستشف من المسكوت عنه في خطاب الملك الذي بشر بتحويل المغرب إلى شركة مساهمة، لفائدة الإمبريالية النيوليبرالية الحديثة التي استعادت روح البند الثالث من معاهدة الحماية، والذي رسخ معادلة الهيمنة على مقدرات المغرب وخيراته لاستيفاء الديون المترتبة عليه، مقابل حماية السلطان وأولاده وأحفاده وعائلته عسكريا من غضب الشعب، وكان من تداعياتها الكارثية سحق ثورة المجاهد عبد الكريم الخطابي بالكيماوي..

وروح البند الثالث لمعاهدة الحماية التي نتحدث عنه اليوم، يتمثل في حماية نظام محمد السادس العلوي بالغطاء السياسي، والتعاون الاستخباراتي، والمقاربة الأمنية الذاتية لسحق أي معارضة قد تقف في وجه هذا التوجه الجديد الذي يسعى من خلاله الملك إلى تحويل الدولة إلى شركة مساهمة تدار من قبل ديناصورات الاقتصاد المعولم الجديد كـبوينغ ورونو – بيجووغيرهما كثير مما سنسمع قريبا عن دخولهما المغرب للاستثمار فيه.

هذا التوجه أو المشروعإن صح التعبير، ليس من بنات أفكار أخنوش كما قد يعتقد البعض، بل تم اختيار أخنوش باعتباره ممثل الملك في المنتدى الماسوني العالمي ليكون الواجهة لتمكين الاستعمار الإقتصادي الجديد من التحكم في السياسة المالية والاقتصادية للبلاد، فيما ترك لفؤاد الهمة مهمة إدارة الداخلية والأمن.

الصحافة الفرنسية تتحدث عن أن المغرب اضطر لتغيير نظرته للرئيس ماكرون الذي يرفض التدخل العسكري في دول حديقة فرنسا الخلفية لحماية الأنظمة من السقوط، ويرفض تطلعات المغرب للانضمام لحلف شمال الأطلسي بقوة برغم موافقة اللوبي اليهودي الداعم للنظام في واشنطن على ذلك، بل إنه تخلى مؤخرا عن عقيدة ساركوزي وأولاند القديمة وتبنى عقيدة جديدة تقول بعدم تمسك باريس بشرط إسقاط الأسد للحل في سورية، والرجل يرفض أيضا أن يكون المغرب المركز المفضل لفرنسا في شمال إفريقيا، ويصر على أن يتم التصالح والتعاون بين البلدين الجارين (المغرب والجزائر)، وأن تحل قضية الصحراء في هذا الإطار مع مراعاة حق الصحراويين في حكم ذاتي في إطار نظام فدرالي يتحفظ عليه المغرب، وهو ما يفسر المقاربة الأمنية التي اعتمدها النظام في مواجهة حراك الريف برغم سقف مطالبه المتدني خوفا من المطالبى بحكم ذاتي في إطار الفدرالية.

والأهم من هذا، أن عقيدة ماكرون الجديدة في السياسة والاقتصاد، تقوم على أساس شراكة أوروبية أفريقية، بحيث تكون فرنسا وألمانيا هما قاطرتها الأساسية، وهذا يقودنا إلى خلاصة غاية في الأهمية، مفادها، أن من وضع هذه الرؤية للهيمنة الإقتصادية الجديدة على إفريقيا هي مؤسسة بيلدبيرغأو الحكومة العالمية السرية وفق ما أكدته تقارير إعلامية فرنسية، والرئيس ماكرون هو صنيعتها وبفضلها وصل إلى الرئاسة الفرنسية، وهي من حرصت على تكوينه في مؤسسة مالية لمجموعة روتشيلداليهودية التي أسست لعلاقات سرية متينة بين ماكرون والدولة العميقة في الولايات المتحدة، ومكنته من النفاذ إلى وزارة المالية الفرنسية ليفهم بالعمق المطلوب لعبة المال والاقتصاد، ومن ثم استقال ليخوض سباق الرئاسة، الأمر الذي اعتبره أولاند خيانة.

ومؤسسة بيلدبيرغهي التي كانت وراء تبني الرئيس ماكرون لتوصية عدم المساس بالطرق التجارية في واقع النزاعات التي أقرها مجلس الأمن وأدت لانسحاب البوليساريو من الكركرات، وفرضت على النظام المغربي خطوطا حمراء بعدم تحويل نزاع الصحراء إلى ورقة تجارية واقتصادية في المساومة السياسية، وفرضت أيضا على المغرب والجزائر الدخول في حوار مباشر بدأ شهر ماي الماضي، وهي من كانت وراء الضغط على المغرب للعودة للاتحاد الإفريقي، لأنها تريد أن تتعامل في الموضوع التجاري والاقتصادي مع إفريقيا ككتلة كبيرة أو سوق ضخمة موحدة، ومورد أساسي للمواد الخام، كما أن مشروع أنبوب الغاز من نيجيريا إلى أوروبا عبر السنغال وموريتانيا والمغرب، لتقليص اعتماد أوروبا على الغاز الروسي تدخل في هذا الإطار، الأمر الذي يضع الجزائر في موقف حرج مع الشريك الروسي الرافض لهذا التوجه، كما وأن الجزائر ترفض أي انفتاح اقتصادي بالمفهوم النيوليبرالي، وتفضل أن تظل قلعة مغلقة، ما يرشح الوضع فيها للانفجار.

ويعتبر مالك تأمينات أكساالمدعو هنري كاستي، مهندس العلاقة الجديدة بين العاهل المغربي والرئيس ماكرون، فبفضله تم رسم خرائط المصالح الجديدة للأوروبا عبر فرنسا في المغرب، لكن من دون السماح له بلعب دور القوة الإقليمية الكبيرة وتجاوز المربع الضيق الذي رسم له. والزيارات المكوكية التي قام بها الملك إلى دول إفريقية عديدة والاستثمارات الضخمة التي وصلت مبلغ 7 مليار دولار، كان الهدف منها القفز على هذا الحظر طمعا في أن يتحول المغرب إلى البوابة الإستراتيجية لأوروبا وأمريكا في إفريقيا في صراعه العبثي على النفوذ مع الجزائر.

وخلاصة القول، وفق ما تؤكده الصحافة الفرنسية، أن الرؤية النيوليبرالية المتوحشة الجديدة التي ينفذها ماكرون بهندسة من بيلدبيرغ، والقائمة على أساس الحريات الإقتصادية والإجتماعية كما يؤمن بها تلميذ مؤسسة روتشيلد” ماكرون وتبناها العاهل المغربي في خطاب عرشه، ستعرض المغرب وكل من يتبناها من الأنظمة المغاربية والإفريقية إلى زلازل داخلية خطيرة، بعضها على شكل انقلابات عسكرية في الدول الإفريقية الهشة، وأخرى على شكر ثورات شعبية كما هو متوقع في المغرب والجزائر وتونس  ومصر، بسبب سوء الأوضاع المعيشية للناس وتحويلهم من مواطنين منتجين إلى زبائن مستهلكين لمنتوجات الشركات العابرة للحدود والقارات.

وفي هذا الإطار يمكن فهم أسباب وأبعاد حراك الريف الذي بدا في ظاهره حراكا من أجل مطالب اقتصادية واجتماعية وحقوقية، لكنه في جوهره يحمل توجها مقاوما رافضا للاستعمار الجديد بالوكالة، من حيث يدري أصحابه أو لا يدرون.

ومن سخرية الأقدار ومكر التاريخ، أن يكون المجاهد عبد الكريم الخطابي هو من قاد المقاومة ضد الاستعمار العسكري إبان عهد الحماية العسكرية، ويكون حفيده ناصر الزفزافي هو من يقود المقاومة المدنية اليوم ضد الاستعمار الإقتصادي، في ظروف مشابهة إلى حد بعيد، بسبب إفلاس الدولة في عهد السلطان عبد العزيز، وإفلاسها مرة ثانية بشكل كارثي لا علاج له في عهد محمد السادس.

نقول لا علاج له لأن المعالجات التي تطرحها النظريات الإقتصادية في هذا الباب تشبه إلى حد بعيد القيام بعمليات جراحية معقدة لرجل مريض بمرض عضال لا شفاء منه، في محاولة يائسة لإطالة عمره قدر المستطاع، فيما سنن التاريخ تقول بحتمية دفنه رحمة بالبلاد والعباد الذين يعانون من ظلمه وفساده ومراهقته السياسية.

ومن العمليات التي أرغم النظام على القيام بها، مسألة تعويم الدرهم ليصبح بلا قيمة أمام العملات الأجنبية، وما سيترتب عنها من مضاربات وزيادات فاحشة في الأسعار ستضرب القدرة الشرائية للمواطنين في مقتل.

كما أن التوجه سيكون لتقليص الإنفاق العمومي في مجال الخدمات باعتباره أحد الأسباب التي تعيق الدولة عن الوفاء بديونها الخارجية، وفي هذا الصدد، سيكون التوجه لخصخصة قطاع التعليم والصحة وغيرهما من الخدمات التي قد تصل إلى خصخصة قطاع السجون كما هو الحال في أمريكا وبعض الدول الأوروبية.

أما في مجال الوظيفة العمومية، فلن يكون هناك توظيف إلا بالعقد المحدود الأجل، مع مراعاة الكفاءة، وتوجه نحو تحويل النظام الإداري إلى نظام مُحوسب لضمان الفعالية والمردودية بأقل تكلفة ممكنة.

أما في مجال الاقتصاد، فستتغير البنية جملة وتفصيلا، ويتحول كل ما كان في ملك الشعب إلى الشركات الكبرى، التي ستوظف العمال وفق الاختصاص المطلوب بعقود محددة الآجال، الأمر الذي سيخفف من عبئ الضمانات الطويلة الأجل وتحملات صناديق التقاعد.

هذه بعض من الإجراءات التصحيحية التي لا يمكن للمغرب إلا أن يقوم بها مكرها في ظل حالة الإفلاس التي يعيشها، والتي من شأنها تحويل البلاد من وطن للمغاربة إلى محمية خاصة للشركات الدولية.

وباء عليه، لا يسعنا من وجهة نظر سنن التاريخ إلا أن نتوقع زمنا عصيبا ينتظر المغاربة، سمته رفض الشعبلهذا المشروع الاستعماري الجديد، أو ما أفضل أن أسميهم بـحزب العدميينالذي اعترف بوجوده الملك رسميا في خطابه، والذي بدأ حراكه مع انتفاضة 20 فبراير، وتجدد مع حراك الريف، وكل المؤشرات تؤكد أنه سيقود النضال في المرحلة المقبلة على مستوى جغرافية الوطن.

وإذا كان لنا أن نستخلص درسا مفيدا مما حصل بالأمس ويحصل اليوم، نستطيع القول أننا أمام طابور سادس بكل ما تحمل الكلمة من معنى، لأنه إذا كان الطابور الخامس بالتعريف الاصطلاحي الذي عرف زمن الحرب الأهلية الإسبانية وأخذ بعدا استراتيجيا مهما زمن الحروب النازية، هم مجموعة الجواسيس والعملاء وقادة الحروب النفسية والصحفيين التجار والمثقفين من منعدمي الضمير، والذين قال عنهم أدولف هتلر: “إن أحقر الناس الذين قابلتهم في حياتي هم أولئك الذين ساعدوني على احتلال بلدانهم“.. فإن الطابور السادس يأخذ معنى سياسيا جديدا لم يكن معهودا من قبل في علم السياسة..

ولعل أول من تحدث عن هذا الطابور في العصر الحديث، هو أحد الفلاسفة الروس قبل أشهر قليلة (أعتذر عن ذكر إسمه لأني لا أستحضره الآن)، حيث قال، إن الحكام الخونة الذين يمكنون الاستعمار النيوليبرالي الجديد من الهيمنة على خيرات أوطانهم ومقدرات شعوبهم هم الطابور السادس، وهم أخطر بكثير من الخامس.. لكن في المغرب لسوء الحظ اجتمع الاثنان ليتآمروا على المستضعفين من العباد.

والسؤال هو: – ما الفرق بين من قبل بمعاهدة الحماية العسكرية في مغرب الأمس، وبين من قبل بمعاهدة الحماية الأمنية في مغرب اليوم؟..

الجواب يعرفه الجميع، وهو التفريط في السيادة مقابل الحماية، وهذه لعمري قمة الخيانة والنذالة والحقارة.

مع فارق بسيط، وهو أن النظام اليوم يعيش بفضل الغطاء السياسي والدعم الاستخباراتي للغرب، والحماية المخابراتية والأمنية الداخلية، بالإضافة إلى استغلال الدين والإعلام وأشباه المثقفين لتضليل الشعب الأمي سياسيا، ولا ننسى جيش الشيوخ والمقدمين والمخبرين الذين يشكلون عين المخزن التي لا تنام، ما يؤكد أننا أمام مؤامرة خطيرة اجتمع لها الطابور السادس والخامس معا.

إن الخيانة أيها السادة ليست وجهة نظر كما يحاول تقديمها اليوم الإعلام للناس، بل هي أكبر خطر، لأنها تؤدي إلى رهن الوطن للمستعمر القديم الجديد، وتحول الناس من مواطنين أحرار إلى مجرد عبيد.

والسبب أن المغاربة كما غيرهم من الشعوب العربية، لم يفهموا أن معركة تحرير الإنسان يجب أن تخاض بموازاة معركة تحرير الأرض.. وهذا هو معنى شعار التحرر والتحرير الذي رفعه الزعيم المجاهد عبد الكريم الخطابي رحمه الله، وسار على نهجه القائد ناصر الزفزافي وأهلنا في الريف.

فلا مساومة بعد اليوم على أحلامنا، ولا توبة عن صراعنا مع النظام العلوي حتى لو تكرر انكسارنا أكثر من مرة.. لأنه في كل مرة ينتج هذا الشعب العظيم جيلا جديدا من الثوار يرفع التحدي ليبعث الأمل في نفوس الناس.

2 Comments

  1. 😁☺😂 زعما كتقتلو بالضخك والله….ههههههههههه ما اشبه اليوم بالامس !! وتا نووووض. المغرب بالزاف عليك

  2. انت من يبيع القرد ويضحك على من اشتراه.
    بدأت بما يشبه تحليل جيواقتصادي لتمرير أفكارا تحريضية على انفصال.
    يا العجب تثير مخاوف الناس على مستقبل دولة عريقة وانت لا مخاوف لك من استعمار قديم جديد عن دويلة تريد إنشائها .فسبحان الله.

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*