حول سماح السعودية للنساء بقيادة السيارات

بانوراما اليوم / من الصحافة

بعد عشرات السنوات من الرفض ومعاندة المنطق الإنساني البسيط وحتى أصول الشريعة الإسلامية السمحاء اتخذت المملكة العربية السعودية أول أمس قرارا بالسماح للنساء بقيادة السيارات.

مقارنة ببقية الدول العربية (ودول الخليج نفسها) ودول العالم كلها كانت السعودية مثالا فريدا ونموذجا على انغلاق الأفق والتعصب واحتقار المرأة وإنكار مصالح المجتمع نفسه بحيث اكتسبت سمعة البلد الأكثر رجعية وتخلفا في العالم.

الأسوأ من ذلك أن هذا المنع الجائر كان يمارس، للأسف، باسم الشريعة والدين، وهو ما جعل الدين الإسلامي يرتبط، في أذهان سكان الأرض، بالإساءة للمرأة وحقوقها، والتعصب ضدها، وكذلك بمساوئ الحكم الثيوقراطي المطلق الذي يحكم بلاده بالسيف وبقوة التقاليد البالية والأعراف المنسوخة لا بالالتزام بالقوانين الإنسانية المرعية والمتعارف عليها في كل العالم.

وكانت التحليلات السياسية والاجتماعية تعزو هذا العناد السعودي الكبير في مواجهة العالم إلى التحالف الشهير الذي قامت عليه الدولة، بين العائلة المالكة السعودية وطبقة من رجال الدين المتشددين، وكان هذا التحالف الأساس المكين لتبادل مصالح الطرفين وتثبيت شرعية السلطة وتحويلها من نظام قائم على الغلبة والقمع إلى شرعية دينية، ووصل الأمر إلى وجود سلطتين، دينية، تمثلها هيئة كبار العلماء وأداتها التنفيذية المسماة «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وأمنية، تمثلها أجهزة الشرطة والأمن الاعتيادية، كما تتداخل السلطتان في مجالات متعددة تخص مصالح المجتمع وشؤونه، وهو ما يعكسه، على سبيل المثال، لقب «خادم الحرمين الشريفين» الذي يطلق على الملك.

وعلى الرغم من أثر هذا الجمع المخيف بين السلطتين الزمنية والدينية على المجتمع السعودي، والعشوائية التي تترتب على التداخلات المعقدة بين سلطات الشرطة والأمن والمطوعة، والتي كان المواطنون السعوديون يعانون أشد المعاناة منها، فإن النساء السعوديات استخدمن كافة أشكال الاحتجاج والتمرد على هذا الحكم ودخلت كثيرات منهن السجون وتعرضن، هن وعائلاتهن، لأشكال من العقوبات والإهانات.

بعد قرار الملك سلمان الأخير أصدرت «هيئة كبار العلماء» بيانا تتراجع فيه عن كل أحكام الزجر والتعنيف السابقة فيما يخص هذه القضية، مستخدمة ربما التعابير نفسها، حول «مصلحة البلاد والشعب» و»حراسة القيم الإسلامية» و»المصالح الشرعية والوطنية»، بل وقالت إن فتاواها السابقة لم تكن ضد قيادة المرأة للسيارة، لأن لا تحريم في هذا الأمر، وأن مواقفها السابقة كانت منوطة بدرء المفاسد وتقليلها، أما ما الذي جعل قيادة المرأة للسيارة الآن مصلحة بعد أن كانت مفسدة فسره طبعا في أن الملك غير رأيه وبالتالي فعلى «هيئة العلماء» أن تلتزم، حتى لو لم تكن مقتنعة بالأمر.

يزيح القرار، على بساطته، حقبة طويلة من الجدل حول الموضوع، وقد يساهم في إزاحة إحساس ممض بالظلم والتمييز والتهميش ضد النساء، ولكنه، من جهة أخرى، يبدو جائزة ترضية صغيرة يستخدم فيها حل هذا الوجع المزمن للمرأة كنقطة دعاية لحملة علاقات عامة للتغطية على الاعتقالات المستمرة ضد ناشطين ودعاة وشخصيات مؤثرة في الرأي العام السعودي، وكذلك للتغطية على التركز المهول للسلطات السياسية والعسكرية والاقتصادية في يد ولي العهد محمد بن سلمان استعدادا لتسلمه الرسمي للقب الملك.

————-

القدس العربي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*