خطاب العرش.. “ثورة الملك ضد الشعب”

خاص: بانوراما اليوم / ياسين شرف

بالمختصر المفيد..

إذا جاز لنا أن نختزل خطاب العرش في عناوين عامة، نستطيع القول أنه كان خطابا لتبرير فشل الملك في إدارته للدولة باعتباره رئيسها التنفيذي الفعلي بما يتمتع به من سلطات وصلاحيات واسعة.. وأنه كان محاولة يائسة وبئيسة للهروب من تحمل المسؤولية وتعليقها على شماعة الأحزاب والمؤسسات التي صنعا القصر بعرفته دون أن يكون للشعب يد فيها.. وتوجه واضح نحو توزيع الزرواطة بشكل عادل على الشعب وبالمساواة بين المناطق في حال حصل فيها ما حصل بالحسيمة.

وبهذا المعنى، يكون خطاب الملك خطابا ثوريابامتياز، لكن الفرق هذه المرة أن الأمر يتعلق بثورة القصر ضد الشعب الذي بدأ يتحرك لتفجير ربيع مغربي ثاني بدأت شرارته تظهر للعيان مع تداعيات حراك الريف، وزاد احتمال اندلاعها بسبب اليأس الذي زرعه الخطاب في نفوس الشرفاء الأحرار ضدا في كل التوقعات المتفائلة.

وقبل الخوض في تحليل هذه العناوين الرئيسة، لا بد من الإشارة إلى مسارعة بعض مرتزقة المخزن لإبداء تعليقاتهم وانطباعاتهم حول الخطاب، بلغة لا تخلو من نفس مخابراتي وأسلوب مخزني مصطنع ومفعم بالكذب والتزوير والتحوير والتضليل.. فمنهم من اعتبره خطابا تاريخيا، ومنهم من وصفه بخطاب الأمانة والمسؤولية، ومنهم من قال عنه أنه خطاب الأمل، فيما ذهب بعضهم حد الزعم أنه يعتبر بحق فصل الخطاب، وكأن من كان يبعث برسائله النارية من تحت الماء لأعدائه الاستراتيجيين والوجوديين معا هو الأمين العالم لحزب الله السيد حسن نصر الله وليس محمد السادس خديم واشنطن وباريس.

من حيث الشكل..

أما من حيث الشكل، فبالرغم من أن لهجة الخطاب كانت حادة لا تليق بمقام ملك البلاد، إلا أن أسلوب الخطاب الذي استعار مصطلحاته من قاموس الحراك ومعاجم الفيسبوك، وعدم قدرة صاحبه على قراءته بشكل سليم بسبب الرتابة في السرد والتلعثم في الإلقاء وصعوبة التحكم في الأنفاس.. جعله من دون تأثير يذكر على عامة الشعب الذي لا يفقه هذا النوع من اللغة الثورية، وبالتالي، نستطيع الاستنتاج أن المستهدف بالخطاب هم الشباب من المناضلين والنشطاء الذي يصنفهم القصر في خانة العدميين، ونحن منهم والحمد لله.

من حيث المضمون..

أما من حيث المضمون، فلا داعي لتكرار ما سمعه الشباب مباشرة من الخطاب، وسيكون من الأجدى قراءة ما بين السطور، للوقوف على الرسائل التي أراد الملك توزيعها يمينا وشمالا وبشكل عشوائي لمن يهمه الأمر.

الرسالة الأولى تقول: أن من فشل هو الشعب وليس القصر، لأن الشعب وبدل أن ينتخب حزب القصر ليناله بعضا من منجزاته، انتخب حزبا إسلامويا شعبويا وانتهازيا لا يرتاح القصر للعمل معه، فكان ولا بد من وضع العصي في عجلات عرباته كي لا يحقق ما وعد الشعب به، خصوصا في ما له علاقة بعنوان محاربة الفساد الذي يقوم نظام الخزن برمته على أساسه.

وهنا نكتفي بتذكير صاحب الخطاب، أن لا علاقة للشعب بحزب المصباح أو غيره من أحزاب السلطة، لأن من أسس هذه الكيانات الصورية وحولها إلى دكاكين سياسية متحكم في حجمها وخرائط انتشارها وعدد الحقائب التي تستحقها هو القصر لا الشعب.. وبالتالي، فمن فشل نموذجه الديموقراطي التحكمي هو الملك بعظمه وشحمه ولحمه ودمه ولا أحد غيره.

وإذا كان رئيس الحكومة السابق خرج ليؤكد للجميع عبر الإعلام، أنه لم يعلم بمشروع منارة المتوسط إلا من خلال الإعلام مثله مثل بقية الشعب، فإن من أفشل هذا المشروع وعطله هو القصر لا الحكومة المحكومة، بدليل أن من دبر البلوكاج الحكومي لتعطيل تأليف الحكومة لأشهر طويلة هو أنت أيها الملك وليس المهرج بن كيران، وبالتالي، لا علاقة لعدم تنفيذ مشروع الحسيمة الذي فجر حراك الريف بحزب بن كيران، بل بحزب صديقك الهمة الذي يتحكم في معظم دوائرها الانتخابية ويدير المنطقة كما لو كان يدير كارتيلاللمخدرات بعقلية العصابة.

لكننا لا ننكر بالمناسبة أن ما قلته عن الاستقالة كان صحيحا نسبيا فقط، لأنه لو كان لبن كيران ورهطه ذرة من كرامة وحس بمسؤولية الأمانة لقدموا استقالتهم في حينه ليضعوك عاريا في مواجهة الشعب.. غير أن تاريخ وتقاليد المخزن تؤكد أن لا أحد سبق وأن قدم استقالته التي قد تعني نهايته السياسية إلى الأبد، لأن القصر وحده هو من يعين وهو من يقيل.

وبالتالي، فمحاولة تحميلك المسؤولية للأحزاب السياسية لم تكن سوى هروب نحو الأمام، وهو موقف جبان يفتقر للصدق والنبل والشجاعة، وخيانة لميثاق المسؤولية والأمانة، وعدم القدرة على معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة التي منبعها محيطك الذي يتحكم في لعبة السياسة والاقتصاد والعدل والثقافة والأمن، ولا تفسير له غير هذا، سواء أعجبك الأمر أم لم يعجبك ما دمنا عاهدنا الله أن لا نحدثك إلا بالصدق ولا نقول لك إلا الحقيقة، لنحررك من الوهم الكبير الذي تعيش فيه.

أما المؤسسات التي حملتها نصيبا من المسؤولية بسبب العقلية الإدارية البيروقراطية التي تدير بها المرافق العمومية، فزلتك هنا أيها الملك أكبر من الذنب، لأن هذه العقلية التي تنتقدها اليوم هي نتاج سياساتك التعليمية والتكوينية، وطريقة تنظيمك للإدارة التي تتسم بضعف المراقبة الداخلية، وانعدام المراقبة الخارجية، وعدم تفعيل مبدأ المحاسبة على قدر المسؤولية، ولا علاقة للأحزاب بهذا، لأن رئيس الحكومة هو آخر من يعلم ما يفعله وزرائه الذين يتلقون التعليمات مباشرة من القصر.

نقول هذا، لأنك أمضيت 18 سنة على رأس الدولة، وتعرف حق المعرفة أن النظام الإداري البيروقراطي الذي وضعته فرنسا للإدارة المغربية لا يمكن تغييره، لأنه يخدم مصالحها ومصالح المخزن معا، نظام بيروقراطي مركزي يقوم على مبدأ التحكم في كل كبيرة وصغيرة، لدرجة أصبح المغاربة يدركون أن من أراد قضاء مصلحة فعليه الذهاب للعاصمة طلع للرباط، وكذلك المستثمرين المغاربة والأجانب، وفي الرباط يعمل المسؤولون وفق معادلة مخزنية عتيقة تقول مرحبا بلي جا وجاب، ولي ما جاب ما عندنا ليه جواب“.

وللتذكير فقط، فقد سبق لوالدك أم رفض مشروعين كبيرين للإصلاح كان من شأنهما نقل المغرب من دولة المخزن الفاسدة إلى دولة المواطنة الصالحة:

مشروع ألماني لتحويل المغرب إلى فدرالية على الطريقة الألمانية بديمقراطية مناطقية فعلية ولا مركزية، لخلق تنمية شاملة أخذا بالاعتبار الخصوصيات المحلية للاستفادة إلى الحد الأقصى من المقدرات المحلية في إطار رؤية شمولية تشاركية وتكاملية على المستوى الوطني، ما يحرر الدولة من أعبائها التقليدية فتتحول إلى دولة في خدمة رفاهية مواطنيها بدل العكس.

مشروع تغيير النظام البيروقراطي الفرنسي الجامد بنظام أنجلوسكسوني مرن يعود بالفائدة على الوطن والمواطنين، بسبب أنه يشتغل بطريقة مختلفة وعقلية متحررة من التحكم، على قاعدة المشاريع النوعية المحددة الغايات النوعية والأهداف الكمية بشكل دقيق، ومن منطلق دراسات علمية تساعد على وضعها، وانتقاء المسؤولين على أساس الكفاءة لا الولاء، ونظام صارم للمراقبة الداخلية وآخر للمراقبة الخارجية، وآخر للتقويم المرحلي للأهداف، وعلى ضوء الإنجازات مقارنة بالأهداف المرسومة تتم محاسبة المسؤولين عن التقصير وتعويضهم بآخرين، لأن الإدارة أيها الملك ليست قوانين وبيروقراطية فحسب، بل فن يحتاج للموهبة وروح المبادرة والتكوين المستمر للأطر والموظفين لمواكبة المتغيرات والمستجدات في مجال التطوير والرقي في الأداء من أجل مردودية أفضل، وهذه هي الإدارة التي تعمل بعقلية الشركة التي تحدثت عنها، لكن عليك أن لا تضلل الشعب وتعترف أن النظام الفرنسي أصبح متجاوزا بسنوات ضوئية في هذا المجال..

والسؤال هو: – من أين لك القدرة على استبدال النظام الفرنسي بالنظام الأنجلوسكسوني؟..

الرسالة الثانية تقول: أنك محصن ضد المساءلة والمحاسبة، لا لأنك مقدس كما كان الحال من قبل، بل لأن نظامك محمي من قبل واشنطن وباريس، وحديثك عن بوينغورونو – بيجويؤكد هذه الحقيقة بالإشارة بدل صريح العبارة، وفادها، أنك مجرد وكيل تجاري لمصالح هذه القوى الإمبريالية القديمة الجديدة، وأنك حصلت على ضمانات بأن لا يقع لك ما وقع لبن علي ومبارك والقذافي، لأن زمن الحقوقي أوباما ومشروعه الإسلاموي ولّى وجاء زمن ترامب التاجر الليبرالي، وأن ماكرون هو جون داركالنظام النيو – ليبرالي العالمي الجديد.

وامتداحك لأجهزتك القمعية والثني على صبرها وتحملها واحترامها للقوانين، ومسؤوليتك على حماية أمن المواطنين والممتلكات، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن من أعطى الضوء الأخضر لقمع حراك الريف هو أنت أيها الملك، وإشارتك إلى توزيع الزرواطة بشكل عادل وعلى قدم المساواة بين مختلف المناطق في حال وقع بها ما وقع بالريف، يؤكد أيضا بما لا يدع مجالا للشك، أنك تلقيت الضوء الأخضر من باريس وواشنطن لقمع شعبك في حال تظاهر ضدك..

هذا الأمر كنا نعرفه، لكن خطابك زاد وأكده لمن كان لديه شك، وأصبح واضحا للجميع أنك لا تأبه لشعبك ولا تحترمه ولا يهمك رضاه بقدر ما يهمك رضا من تستمد منهم شرعيتك في باريس وواشنطن، ومن يحاسبونك على مصالحهم ونمو أرباحهم، لذلك لا يمكن للدولة إلا أن تفشل في تحقيق الحد الأدنى من مطالب الشعب في الوقت الذي نراها تحقق منجزات معتبرة تصب في مصلحة الشركات العابرة للحدود والقارات.

وللحفاظ على هذا الوضع، امتدحت إنجازات صديقك الماسوني أخنوش برغم فشله في القطاعات التي يديرها وانفجار أزمة الريف بسببه، وبرغم احتكاره للمحروقات التي يستفيد منها بشكل فاحش لا رقابة للحكومة عليه، واستغلاله لأموال الدولة في تأسيس شركات تخدم مصالحه الخاصة ومصالح من يقف من ورائه.

وبهذا المعنى، فقد كانت إشارتك واضحة بأنك تريد استبعاد كل من لا ترتاح إليه، وتقدم بضعة أكباش فداء على مذبح الفساد للتعمية والتضليل، لتبرر إعادة تشكيل الحكومة من العناصر التي تخدم مشروعك وسياساتك التي لا علاقة لها بمصلحة الوطن والمواطنين، وترفع الزرواطة في وجه كل من يحتج ضدك، وسيف القضاء في وجه كل من يعارضك.

وعفوك عن 53 متابع في أحداث الريف من أصل 300 كانت محاولة خبيثة منك لزرع ألغام الخلاف والتفرقة بين المناضلين لإفشال الحراك وفق ما تتوهم. كما أن استثنائك لناصر الزفزافي ورفاقه الشرفاء نابع من خوفك من أن يقدم هذا القائد الفريد على الخروج إلى مليلية وطلب اللجوء السياسي من السلطات الإسبانية، ليتحول إلى عبد الكريم الخطابي 2، لأن لديك قناعة وهمية زائفة تقول، بأن هدف الحراك هو الإنفصال بسبب الأعلام والصور التي رفعت خلال الاحتجاجات.

وخلاصة القول أيها الملك، أنك بخطابك الاستفزازي الذي زرع اليأس في نفوس الناس، قررت باستكبار، أن تعلنها ثورة ضد الشباب الرافض لنهجك واستبدادك وفسادك، لكن عليك أن لا تتوقع أن يتراجع المناضلون العدميونكم أسميتهم على سنة والدك الذي وصف أهل الشمال بـالأوباش“.. بل انتظر الرد من هذا الشعب الأبي الذي كسر حاجز الخوف وأصبحت الحرية والكرامة بالنسبة له مسألة حياة أو موت. واعلم أن الطبيعة لا تقبل الفراغ، وفي ظل الفراغ السياسي الذي أنتجته بتدجينك للأحزاب سيولد لك اليوم حزي غير شرعي تحت مسمى “حزب العدميين” بعناوين سياسية تتجاوز العناوين الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية التي رفضت تلبيتها باستكبار، واعلم أن مغرب اليوم ليس هو مغرب زمن الرصاص، فلا تخطئ التقدير وتبني قرارك على معطيات مضللة، خصوصا بعد أن اعترفت في خطابك بعظمة لسانك أنك لا تستطيع فهمها في إشارتك لما وقع في الريف.

لذلك، نحذرك من أن تجعل عنوان المرحلة صراع الإرادات، والذي من شأنه أن ينتج معادلة جديدة وغير متكافئة تقول بـ: “ثورة الشعب ضد الملكلمواجهة ثورة الملك ضد الشعب“.

حينها لن تنقذك باريس و واشنطن من غضب “العدميّين” و “الفقراء المعدومين”.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*