د. خالد البكاري يتحدث عن المعارضة في المغرب..

بانوراما الرأي والتحليل / من الصحافة

نشرت جريدة المساء حوارا حول المعارضة في المغرب، أجرته مع الدكتور خالد البكاري، المثقف والمناضل السياسي المغربي المعروف بنشاطه وحيويته ودعمه لحراك الريف خصوصا والشعب المغربي عموما، والذي يصنف نفسه ضمن تيار” الإسلاميين الديمقراطيين بالمغرب ”. ونظرا لأهمية ما جاء فيه ننشره كاملا كالتالي:

س: ماهي الصيغ التي يتعامل بها المخزن مع معارضيه؟

ج: لن نضيف جديدا إذا تحدثنا عن التضييق على المعارضة عبر الاعتقال السياسي،وعبر انتهاك الحق في التنظيم،وعبر الحصار الإعلامي،وعموما عبر كل صيغ التضييق والمحاصرة والقمع الكلاسيكية والتي هي من ثوابت أي نظام سلطوي،لكن هناك صيغ أخرى للتضييق ناعمة، كاستدراج المعارضة لمربع السياسة المؤسساتية،وهو مربع مسيج بالاشتراطات العرفية الضمنية وتلك القانونية المكتوبة والمدسترة، حيث تنتقل المعارضة التي كانت بالأمس جذرية لماهية النظام السياسي وشكله (الملكية) إلى معارضة لسياسات النظام معزولة عن شكله، وتنحدر تاليا نحو معارضة فقط للسياسات الحكومية، فنصبح أمام معارضة صاحب الجلالة في مقابل حكومة صاحب الجلالة، هذا الاستدراج نحو المربع المؤسساتي لا يستهدف فقط تغيير بوصلة المعارضة من الجوهري صوب العرضي فقط،بل يستهدف كذلك خلق طبقة من النخب مستفيدة من ريع المؤسسات (قانونيا أو بالاحتيال)، فتنشأ طبقة من الأعيان الحزبيين الجدد المنتفعين رمزيا وماديا من مواقعهم وسط المؤسسات المنتخبة أو المؤسسات الوطنية (المجلس الوطني لحقوق الإنسان/المجلس الاجتماعي والاقتصادي والبيئي/المجلس الأعلى للتعليم…).

هؤلاء يصبحون مع الوقت ماكينات لكبح أي دينامية داخلية لتجاوز السقف الممنوح،، طبعا رداءة المشهد الحزبي والنقابي تزامنت ورداءة في صيغ مواجهة المعارضة الجذرية تنظيمات وأشخاصا وديناميات احتجاجية، وصلت حد اقتحام الحياة الخاصة،وتشويه وتخوين المعارضين،وتوظيف عصابات من المحرومينوخريجي السجون من الجانحين (البلطجية) لممارسة العنف البدني،فضلا عن توظيف ما يسمى بالعياشةالذين قد يتشكلون من البلطجية وإعلاميين مرتزقة وخبراء تحت الطلب وميليشيات الشبكات الاجتماعية.

س: يقول المؤرخ الناصري إن المخزن لجأ في محطات كثيرة إلى صنع معارضيه ،ألا تعتقد أن وجود معارضين لأطروحة الدولة هو مفيد للنظام السياسي أكثر مما يضره؟

ج: وجود معارضين للنظام السياسي هو من ثوابت الدولة الديموقراطية، وبالتالي فقوة النظام من قوة معارضيه، تلك القوة التي تجعله حذرا دوما ومتيقظا، ومجددا لعناصر شرعيته المكتسبة من فعاليته الإجرائية، واستجابته لدفتر التحملات المتعاقد عليه،لكن في الأنظمة السلطوية تصبح المعارضة الحقيقية مهددة لجوهر السلطة الاستبدادي، ومهددة للمركب المصالحي المنتفع من غياب الرقابة الحقيقية على مصادر القرار والثروة، وبالتالي لا أعتقد أن معارضة جذرية حقيقية ذات عمق شعبي ستكون في مصلحة الدولة المخزنية العتيقة، النظام السياسي المغربي يعتبر أن المجال المسموح فيه بالمعارضة هو الحيز الذي تتحرك فيه الحكومة، وهو على أي حال مجال ضيق، وكلما اتجهنا نحو الأعلى إلا وتضيق مساحات المعارضة حد انعدامها، فالأحياز التي يتحرك فيها القصر والقرار الأمني والقرار العسكري،هي أحياز الإجماع المفروض، بل يصل الأمر حد حماية الأوليغارشية الريعية من سهام النقد والفضح والمواجهة.

لنكن صريحين: ماذا ومن نعارض؟.. من يعارض التدبير الكارثي لملف الصحراء الذي أفضى بعد سنوات إلى التخبط من خيار الحرب نحو الاستفتاء التأكيديفالجهوية الموسعة وصولا للحكم الذاتي، ولا حل يلوح في الأفق من غير تمدد ظاهرة الأعيان بموازاة مع تجذر خطاب الانفصالوسط الشباب؟.. من امتلك جرأة مساءلة جدوى الانضمام للاتحاد الإفريقي؟.. من تساءل عن المخاطر الجيوستراتيجية لخط أنبوب الغاز لاغوس/كازا؟.. من تحدث عن المخاطر المستقبلية للزج بالقوات المسلحة في حرب بعيدة عنا جغرافيا (عاصفة الحزم باليمن)، وهي حرب برهانات إقليمية ومذهبية لا علاقة لنا بها..

هذه الأمثلة تبين أن النظام لا يقبل بمعارضة حقيقية لخياراته، ولا يطرح أصلا هل وجود هذه المعارضة في صالحه أم لا،لأنه ببساطة نظام ينتمي للأنظمة القائمة على شرعية الإجماع، والإجماع بطبيعة الحال نقيض الاختلاف،وبالتالي نقيض الحداثة، وحتى لو فككنا ثوابت المملكة الدستورية الأربعة،سنلفي أن الإسلام باعتباره الدين الرسمي للدولة لا يقبل غير التأويل المالكي الصوفي الأشعري، وأن الوطنالذي يعني المجال الترابي لا يقبل منك مساءلة تدبير الحاكمين لملف وحدته الترابية ،التي تجعل هؤلاء يستضيفون مثلا شباط ذات توتر مع الجزائر للحديث عن تندوف وبشار كولومب المغربية، ثم يعاقبونه ذات قرار بالانضمام للاتحاد الإفريقي على تصريحاته بخصوص موريطانيا لأن الانضمام يقتضي الاعتراف بالحدود الموروثة عن الاستعمار، والتي وفقها لا يجوز للمغرب المطالبة بسبتة ومليلية باعتبارهما موروثين عن الاستعمار منذ القرن السادس عشر، أما الملكيةفلا يجب عليك مساءلة طبيعتها التنفيذية وفي الوقت نفسه هي غير قابلة للمحاسبة، طبعا لا جدوى من الحديث عن الثابت الرابع المدستر وهو الاختيار الديموقراطي، لأنه من الضحك على الذقون الحديث عن اختيار ديموقراطي بعد سلسلة إجماعات قسرية متوالية.

س: بين حراك الريف أن أحزاب اليسار والعدل والإحسان كانت في صدارة المتدافعين مع الدولة،هل ترى أنهما المعارضان الحقيقيان للدولة؟

ج: لي تحفظ بخصوص توظيف كلمة يساربالإطلاق، فاليسار المغربي لم يكن متجانسا فيما يخص التعاطي مع حراك الريف،حتى وسط من أعلنوا مساندته،أعتقد أن ردود فعل اليسار الجذري (النهج/ التروتسكيون..) وفيديرالية اليسار الديموقراطي والعدل والإحسان كان انتظارية في البداية ومحتشمة في الوسط ومتضامنة في الحد الأدنى بعد تصاعد وتيرة القمع والاعتقالات، لدي مؤاخذات أكثر على بعض قرارات فيديرالية اليسار الديموقراطي خصوصا توقيت إعلان رفض التنسيق مع العدل والإحسان في أوج تنامي المبادرات التضامنية الوطنية، طبعا قد نجد أعذارا لكل هذه المكونات التي تحتفظ بقدر من الاستقلالية، مرتبطة بتوجس الحراك في بداياته من ركوبها عليه (الدكاكين السياسية)، ومن مفاجأة الحراك لها والذي لم تكن مستعدة له تنظيميا ولوجيستيكيا في تكرار لتجربة 20 فبراير، وكذا لمشاكل تنظيمية خاصة بكل مكون على حدة،لكن في عمومها تبقى مواقف متقدمة بالنظر لمواقف باقي المشهد الحزبي، وبالنظر لردود فعل النظام المجرمة والمخونة للحراك، لكني أعتقد أن اعتبار اليسار الجذري والعدل والإحسان يشكلان معارضة النظام حاليا وهي حقيقة لا ترتفع، لا ينفي أن هذه المعارضة تبقى محدودة ومعزولة ولا تشكل خطورة راهنا على النظام في ظل ضعف الحركة النقابية، وفي ظل عدم وجود آليات حقيقية للتنسيق بين هذه المكونات في ظل غياب حوار حقيقي وصريح بينها، وفي ظل عدم انغراسها وتجذرها وسط كتلة كبيرة من شرائح الشعب المغربي ،وإلى أن تتدارك عناصر النقص هذه أعتقد أن المعارضة التي تزعج النظام حاليا هي الحراك الشعبي في الريف خصوصا إذا أصبح حالة شعبية في مناطق تهميش أخرى، وخصوصا أكثر إذا انبثقت منه حركة سياسية معارضة ومنظمة وتمتلك مرجعية وتصورا للتغيير يتجاوز رد الفعل الآني على التهميش.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*