في معنى أن للمسجد الأقصى رب يحميه؟..

خاص: بانوراما اليوم / أحمد الشرقاوي –

مرّ يوم الجمعة بردا وسلاما على إسرائيل، فبرغم حث قيادات فصائل المقاومة من غزة المقدسيين والفلسطينيين في الضفة وأراضي 48 لإشعال انتفاضة ثالثة، وبرغم دعوات بعض العلماء الشرفاء من بيروت وبعض البلدان العربية للجماهير العربية والإسلامية للتظاهر عقب صلاة الجمعة نصرة لمقدساتها، لم ينتفض الشعب الفلسطيني ولم تتظاهر الشعوب العربية..

في اجتماع الكابنيت، قال النتن ياهولوزرائه، أيها السادة، لا تقلقوا مما قد يحصل بعد صلاة الجمعة في القدس، إن أقصى ما يمكن أن نشهده، هو مناوشات محدودة لبعض الشباب المتحمس، ليس احتجاجا على بسط سيادتنا على “جبل الهيكل” وقانون تحويل القدس إلى عاصمة موحدة وأبدية لدولتنا، بل على البوابات الإلكترونية التي وضعناها على مداخل المسجد الأقصى. لذلك، لا أرى ما يجبرنا على رفعها في هذا الوقت بالذات، ما دام هذا الإجراء يدخل في إطار حقنا في حماية جنودنا ومواطنينا من الإرهاب، خصوصا بعد أن تبين أن من قاموا بالعملية انطلقوا من بيت لحم، لكن السلاح كان مخبأ في الحرم القدسي.

لقد كان حدس النتن ياهوصائبا إلى حد كبير، فالرجل ليس منظرا استراتيجيا، لكنه قارئ جيد للتاريخ وللأوضاع الأمنية والسياسية في المنطقة والعالم، وينفذ بإخلاص مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد الذي وضع رؤيته دبابات الفكر الإستراتيجي الصهيوني في واشنطن، وانخرطت في تنفيذ الخطة مجمعات الحرب والمخابرات في عواصم الغرب وعديد العواصم العربية وعلى رأسها الرياض.

لأنه إذا كانت دروس التاريخ تقول:

أن الصراع لم يعد عربيا – إسرائيليابعد أن نجح الآباء الصهاينة المؤسسين بمساعدة السعودية ولندن وباريس في ضرب المشروع القومي العروبي زمن عبد الناصر، وبالنتيجة النهائية أصبحت الهوية العربية في خبر كان اليوم.

أن الصراع لم يعد إسلاميا – إسرائيليا، وهذا هو الخطر الكبير الذي كان يتهدد الكيان وجوديا وليس استراتيجيا فحسب، فجاءت استراتيجية الحرب على الإرهابلتشكل حصان طروادة الذي من خلاله تم تشويه الإسلام وسمعة المسلمين وأصبح أخيرا للإرهاب دين اسمه القرآن، يحرض على قتل اليهود والمسيحيين والناس أجمعين، وفق ما تروج لذلك إسرائيلبقوة في الغرب.

فقد نجحت إسرائيلأيما نجاح في تقويض الهوية العربية وشق الهوية الإسلامية بدق إسفين بين المسلمين من خلال اللعب على الخلافات السياسية التاريخية التي عرفتها الأمة باكرا بعد وفاة الرسول.

بدليل، أنه وبفضل الإرهاب، الذي صنعته ودربته وسلحته واشنطن، وتدعمه مخابرات الحلف الأطلسي، وتموله السعودية وتغذيه بالفكر الوهابي التكفيري بمعية مشيخات الخليج.. أصبحت إيران التي تحارب الإرهاب بمعية حلفائها هي الراعي الأول للإرهاب في المنطقة والعالم وفق ما تعلن الرياض وتؤكد واشنطن، في قلب غير مسبوق للمفاهيم وتزوير للحقائق وتحوير للوقائع، الأمر الذي خدم إسرائيلوحوّل الصراع إلى حرب دينية سنية – شيعيةنظّر لها ثعلب السياسة الأمريكية الصهيوني كيسنجر، وقال أنها ستدوم لعقود طويلة قادمة.

وقد رأينا خلال السنوات السبع الماضية كيف أن العرب والمسلمين، باسم الثورة من أجل الحرية والديمقراطية أصبحوا يذبحون بعضهم بعضا، فيما يفرك الصهاينة أياديهم فرحا وهم يتلذذون بأكل التفاح بالعسل في فلسطين المغتصبة التي لم تعد أرض العمالقة بعد أن حوّلها الصهاينة إلى أرض إسرائيلالتاريخية بموجب الحق الإلهي المزعوم.

أن الصراع لم يعد فلسطينيا – إسرائيلياأيضا، خصوصا بعد أن نجحت تل أبيب بمساعدة الأعراب الصهاينة على شق الصف الفلسطيني فأصبح لفلسطين شعبين محاصرين، شعب في الضفة وشعب في غزة.

وليكتمل المشهد، ها هي سلطة محمود عباس تعلن قبولها بمشروع القرن الذي اقترحه الرئيس ترامب وفق الرؤية الصهيونية لتصفية القضية، ووافقت عليه السعودية ومشيخات الخليج ومصر والأردن، والقاضي بتحويل إمارة غزة إلى إقليم منزوع السلاح تابع للسيادة المصرية، وما تبقى من الضفة الغربية إلى كانتونات تحت السيادة الأردنية، أما القدس فتصرّ إسرائيلعلى أن تكون عاصمتها الموحدة والأبدية، وقد وافقت اللجنة التشريعية الإسرائيلية في قراءة أولية على قانون يقضي بذلك هذا الأسبوع، على أن يسمح شعب الله المختار” لفلسطينيي ومسيحيي الداخل بالحق في ولوج الأماكن المقدسة للتبرك والعبادة، وبذلك يسود السلام أرض السلام.

وبالتالي، فلماذا على إسرائيلأن تقلق من الأنظمة العربية التي لا شرعية شعبية لها وتحتاج إلى الحماية الأمريكية والغربية التي تمر حتما من البوابة الإسرائيلية؟..

أما الشعوب العربية، فلا خوف منها ولا من يحزنون، لأنها مجرد رعية تقاد كالخراف من قبل أنظمتها التيوقراطية والإقطاعية الرجعية في منطقة مضطربة تعتبر فيها “إسرائيل” واحة الديمقراطية الوحيدة؟..

ودليل ذلك، صمت العرب تجاه الإجراءات الاستفزازية التي اتخذتها تل أبيب بعد العملية النوعية في القدس الشريف، لقد فهموا الدرس بالعمق المطلوب ولم يجرؤوا على إدانة إسرائيلحتى لا يتهمون بدعم الإرهاب، وقد رأى الحكام العرب ما حدث لقطر بعد زيارة ترامب للمنطقة، وهذه كانت رسالة للجميع مفادها أن من يدعم المقاومة في فلسطين ستحل عليه لعنة تل أبيب وغضب أمريكا حتى لو كان من أقرب الحلفاء.

وقد رأينا التطبيق العملي لهذه السياسة، ما يؤكد أن المسجد الأقصى نفسه وليس فلسطين أو القدس فحسب، لم يعد محل اهتمام في أدبيات العرب.. فلا رئيس لجنة القدس خرج يدين، ولا الجامعة العبرية اجتمعت وأصدرت بيانا يستنكر، ولا منظمة المؤتمر الإسلاموي التأمت في جلسة استثنائية وخرجت ببيان تشجب فيه تطاول إسرائيلعلى مقدسات المسلمين.

بل حتى علماء وفقهاء الأمة (إلا من رحم الله) أكل القط لسانهم فلم ينبشوا ببنت شفة، ولاحظنا كيف أن أئمة المساجد تحدثوا في خطبة الجمعة عن قضايا هامشية من خارج سياق الحدث واللحظة التاريخية، كوجوب طاعة الزوجة لزوجها في مغرب لم تجد فيه 6 مليون عانس زوجا.. ولا نتحدث عن المثقفين الذين باعوا القضية في سوق النخاسة السياسية إلا ما نذر.

لكن الأخطر من الصمت المشين، هو أن يخرج إمام الحرم المكي المدعو عبد الرحمن السديس، ليدعم الاحتلال والإجرام الإسرائيليجهارا نهارا، ويؤكد بتعليمات من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أن من حق إسرائيل أن تضع بوابات إلكترونية حول المسجد الأقصى وتمنع دخول المصلين، لأنه وفق زعمه، ما دامت إسرائيلمحتلة لفلسطين فمن حقها أن تفعل ذلك لحفظ أمنها، وهو التصريح الذي انتشر كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي، ونال من السخرية والتهجم ما لم ينله إخشيل الكافوريمن هجاء المتنبي‘.

حتى حركات الإسلام السياسي في المغرب (باستثناء جماعة العدل والإحسان)، وتونس وغيرها.. التزمت الصمت ولم تدن ولم تستنكر، ولم تطالب قواعدها بالخروج للتظاهر بعد صلاة الجمعة نصرة لمسرى الرسول ومعراجه الذي رسم الله به لعباده المثلث المقدس الذي يربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى وسدرة المنتهى في السماء السابعة.

فقط إخوان الأردن وإخوان تركيا نددوا وتظاهروا من باب رفع العتب، نظرا للعلاقات الحميمية الديبلوماسية والاقتصادية والتجارية والأمنية والعسكرية التي تربط الحكومة التركية والأردنية بـإسرائيل“..

أما القاهرة، أم الدنيا وقائدة العالم العربي نحو الهاوية، فلم تسجل شوارعها خروج أية مظاهرة نصرة للقدس الجمعة، كما أن الخطبة الموحدة التي وزعتها وزارة أوقاف عسكر الانقلاب على الأئمة لم تتطرق إلى قضية المسجد الأقصى، وجاءت تحت عنوان: “مفهوم المواطنة والانتماء وواجبنا تجاه السائحين“.. لأن السيسي بحاجة للرّوز من السياحة لا لوجع رأس إسمه “المسجد الأقصى” قد يكلفه انقلابا يطيح به من على عرش المحروسة.

والسؤال الذي يطرح اليوم بقوة هو: – من يحمي المسجد الأقصى بعد أن تخلى عنه العرب أنظمة وشعوبا؟..

الجواب تعرفه إسرائيلحق المعرفة، ويكمن في القرآن الكريم الذي تعمل جاهدة على تشويهه لثني العرب والمسلمين عن الأخذ بتعاليمه التي يرى فيها الصهاينة حتفهم ونهاية كيانهم، لأن تل أبيبتدرك أن جوهر الصراع له طبيعة دينية، وتعمل على تحويله إلى طبيعة سياسية لحرف البوصلة عن فلسطين خوفا من يوم الله الأكبر الذي بشر به القرآن والرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وأكدت حتمية وقوعه تعاليم التوراة نفسها.

لذلك، لا غرابة أن يشن الغرب حربا بلا هوادة على سورية والعراق واليمن، لأن الرسول الكريم  صلى الله عليه وآله وصحبه قال، أن من سيخوض معركة يوم الله الأكبر هم أجناد الشام وأجناد العراق وأجناد اليمن.. من هنا نفهم سبب تدمير العراق ولبنان وسورية واليمن، وحين تفككت الجيوش النظامية وظهرت المقاومات الشعبية وأصبحت أكثر خطورة منها بدليل ما حدث في حرب تموز 2006 وحروب غزة الثلاثة، شنت حملة مسعورة على حزب الله في لبنان والمقاومات الشعبية في سورية، والحشد الشعبي في العراق، وأنصار الله في اليمن، وتم وصمهم بالإرهاب والتشكيك في عقيدتهم من خلال اتهامهم بأنهم شيعة مجوس وروافض لصب مزيد من النار على الفتنة.

لكن مهلا قليلا.. هذا لا يعني أن فلسطين ضاعت بقدسها ومقدساتها، وأن الصراع انتهى لصالح إسرائيل“.. لأن من يؤمن بالله وقرآنه ونبوءات رسوله يدرك أن وعد الله حق، وأن ساعة الحقيقة آتية لا ريب فيها لينتصر الحق على الباطل.

وإذا كانت القراءة الخطية لتاريخ الصراع تقول أن أمة العرب سقطت إلى قعر الهاوية بسبب ظلم وفساد وخيانة أنظمتها، وأنها أركست في الفتن من قمة رأسها إلى أخمص أقدامها، ولن تقوم لها قائمة ما دامت الشعوب لم تأخذ بسنن الله في الخلق فتغيّر ما بأنفسها ليغير الله ما بها، فإن لله خطة أخرى بديلة أشار إليها بوضوح في كتابه الحكيم.

يقول تعالى في سورية المائدة، الآية: 54 (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم).

والآية واضحة لا تحتاج إلى شرح، لكن ما يحتاج إلى توضيح، هو أن الوقت قد فات وتخلف العرب عن ركب التاريخ والحضارة، ولا يمكن التعويل عليهم ليحرروا مقدساتهم في فلسطين قبل أن يحرروا أنفسهم من الجهل، ومن من الأنظمة الظالمة الفاسدة العميلة الجاثمة على صدورهم كالقدر، وقبل أن يحرروا مقدساتهم في الحجاز..

وفي انتظار ذلك، يبدو أن إيران ومحورها المقاوم الرافض لمشاريع التسوية والإذلال والاستسلام، هو الوحيد المؤهل اليوم ليكون البديل الذي تحدث عنه الله تعالى في الآية المذكورة.

بدليل أن هذا المحور لم يهزم في أي معركة وانتصر على أمريكا في العراق، وعلى إسرائيلفي لبنان وغزة، وهو قاب قوسين أو أدنى من حسم الحرب مع الإرهاب في العراق وسورية، ولا يزال صامدا كالجبل الذي لا تهزه ريح في اليمن..

وإسرائيلنفسها تعترف بذلك وتصرخ وتستنجد واشنطن والغرب، محذرة من أن نهاية الحرب في سورية يعني مرابطة إيران وحزب الله على خاصرتها الشمالية.

لكن ما لا يدركه العرب واكتشفته المخابرات الإسرائيليةأول من أمس، هو أن عملية القدس، لم تكن عملية قام بها مقدسيون بمبادرة خاصة، بل هناك تنظيمات سرية أقامتها إيران وحزب الله في قلب أراضي 48 وفي الضفة، وأن العمليات النوعية ستعرف تصعيدا تدريجيا في القادم من الأيام حتى حصول الانفجار، لأن ما يسعى إليه محور المقاومة هو خطة جهنمية أشار إليها بيان حزب الله مباشرة بعد العملية، ومفادها، أن شرارة المواجهة الكبرى ستنطلق من الأقصى، وأن المقاومة في لبنان وسورية وفلسطين والعراق واليمن على أهبة الاستعداد لتوحيد البندقية ضد الكيان الصهيوني المجرم، ليذوق ما أذاقه للمسلمين في المنطقة من فتن وعذاب، ولن تنقذه لا واشنطن ولا الحلف الأطلسي ولا أعراب الزيت والعار.

فهل هؤلاء هم القوم الذين تحدث عنهم الله تعالى في قرآنه؟..

لا نشك في ذلك، وهذا هو معنى أن للمسجد الأقصى رب يحميه.. بدليل أن الله ما كان لينصر جند حزبه المجاهدين إلا لأنه يحبهم ويحبونه، هذا في ما هزم المتآمرين الأعراب الموالين لأغداء الله ودينه وأمة رسوله.. ومن سيمات جند الله أنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، وولائهم هو لله ورسوله والذين آمنوا، بخلاف ما نراه من ولاء الحكام العرب لواشنطن وتل أبيب، والله تعالى يقول (يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولاهم منكم فإنه منهم إن الله لا يحب القوم الظالمين) المائدة: 51..

وسواء أعجبنا الأمر أم لم يعجبنا، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده.. ومن له شك في ذلك، فليلغي عقله، ويهجر القرآن في رفوف المساجد، ويترك دروس التاريخ وراء ظهره، ويدع أدوات الفهم والتحليل جانبا، وينتظر مع القاعدين حتى يأتيه اليقين..

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*