كيف تصب المصالحة الفلسطينية في مصلحة إسرائيل؟

بانوراما اليوم / تقارير —

لم يصرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بمعارضته للمصالحة الفلسطينية، إلا بعد فتح معبر إيريز أمام ممثلي حركة فتح من الضفة الغربية.

وقد رأى تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرئيلية أن اتفاق المصالحة الفلسطينية الأخير، والذي سلمت بموجبه حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مقاليد السلطة في قطاع غزة للحكومة الفلسطينية برئاسة محمود عباس، يصب في مصلحة إسرائيل.

وقال التقرير الذي أعدته الصحافية الإسرائيلية أميرة هاس: «لم تحاول إسرائيل منع كبار موظفي السلطة الفلسطينية من دخول قطاع غزة، أمس الثلاثاء، بالرغم من أنهم كانوا يسافرون في سيارات تحمل أرقامًا فلسطينية. لو كنا نتمتع بحس السخرية، لقلنا إن إسرائيل قررت ألا تتدخل في هذه الحركة – وهو ما يتناقض مع استراتيجيتها طويلة المدى، والتي تعود إلى عام 1991 بعزل سكان غزة عن سكان الضفة الغربية – لأننا رأينا هذا الفيلم من قبل».

بكلمات أخرى، توقع التقرير أن الخلافات العميقة بين الحركتين الحاكمتين، فتح وحماس، خاصةً فيما يتعلق بالسلاح والأجهزة الأمنية، ستقوم بعمل ما تريد إسرائيل القيام به، وفي النهاية ستمنع هذه الخلافات رأب الصدع في النزاع الفلسطيني الداخلي. وتساءل التقرير: فلماذا سيتوجب على إسرائيل لعب دور الشخص السيئ؟

بحسب التقرير، لم يصرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بمعارضته للمصالحة، إلا بعد فتح معبر إيريز أمام ممثلي حركة فتح من الضفة الغربية. وبشكل مشابه، امتنع وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، عن إصدار الأوامر لإدارة الاتصال في الجيش الإسرائيلي للقيام بما تقوم به بشكل ممتاز؛ التباطؤ في إصدار تراخيص الخروج من الضفة الغربية.

وتابع التقرير بقوله: «لكن المرء يأمل أن شخصًا ما في إسرائيل يتفهم أن الأولوية القصوى الآن هي منع تدهور الوضع في قطاع غزة ليصبح كارثةً بيئية وإنسانية أسوأ مما يعانيه القطاع الآن بالفعل. وهذا ممكن فقط بالشروط التالية: على إسرائيل أن تُنهي حظرها على مواد البناء والمواد الخام، وهي الضرورية لإعادة بناء البنية التحتية، والتي تتطلب تبسيط وتنظيم التعاون المعقد بين السلطة الفلسطينية والأجهزة الأمنية الإسرائيلية والدول المانحة، كما يجب إنهاء النزاع الفلسطيني الداخلي حول جمع الضرائب وفواتير الكهرباء».

أشار التقرير إلى أن هذه الأمور ممكنة لو كان لدى الفلسطينيين حكومة واحدة، وفقط إن كانت هذه الحكومة مقبولة – ليس بشكل جزئي ومتذبذب – من قبل إسرائيل، والدول المانحة ومنظمات الإغاثة الدولية، وخاصةً الأمم المتحدة. وهذه الحكومة لا يمكن أن تكون سوى السلطة الفلسطينية.

مصلحة إسرائيل

بالرغم من أنها تنكر ذلك، إلا أن التقرير ذكر أن إسرائيل هي المسؤولة أولًا عن الوضع المأساوي في غزة. وطالب التقرير بضرورة الترفّع عما أسماها الكليشيهات المعتادة حول «تمويل الإرهاب» وعن «ارتباط الرئيس الفلسطيني محمود عباس بمنظمة إرهابية»، مثلما قال وزير التعليم الإسرائيلي نفتالي بينيت يوم الثلاثاء الماضي.

كما طالب التقرير بوجوب زيادة إمدادات غزة من الكهرباء على الفور، وإلى المعدلات التي كانت عليها قبل قطع إسرائيل للإمدادات بناء على طلب عباس. كما طالب التقرير إسرائيل بمنح غزة عشرات ملايين المكعبات من المياه.

وفقًا للتقرير، هذه ليست مجرد مصلحة فلسطينية. لدى إسرائيل أيضًا مصلحة في معالجة مياه الصرف الصحي في غزة بدلًا من أن تتدفق إلى البحر، كما أن لديها مصلحة في منع انهيار المياه الجوفية في غزة، وفي حصول سكانها على الرعاية الطبية المناسبة. إسرائيل أيضًا لديها مصلحة في منع انتشار الأوبئة في غزة.

بالنسبة لحركة حماس، باعتبارها حركة سياسية تعتبر نفسها ممثلة حقيقية لجميع الفلسطينيين (في غزة والضفة الغربية والشتات)، فإن التنازل عن السيطرة على غزة هو في مصلحتها الخاصة، حتى لو فقدت مراكز القوى والسيطرة التي حازتها على مدى العقد الماضي. ولد كل من يحيى سنوار وإسماعيل هنية، وهما من قادة حماس، في غزة وما زالا يعيشان هناك، لذلك فقد عانوا من كارثة إنسانية وبيئية بشكل شخصي. وهم يعرفون أن منظمتهم لا يمكن أن تستمر في ممارسة تجربتها في الإدارة على حساب رفاهية شعبهم، بحسب ما ذكره التقرير.

إن الخطوات العقابية التي اتخذتها إسرائيل والدول الغربية ضد حكومة حماس المنتخبة فور تشكيلها قبل 11 عامًا تسمح للحركة بتسليم المفاتيح دون اعتراف علني بالفشل. في الضفة الغربية والشتات – على الرغم من الأسباب الواضحة، وليس في غزة – يبدي الفلسطينيون بالفعل اعجابهم باختيار الحركة تسليح نفسها ومواجهة إسرائيل عسكريًا. وهذا يكفي لأن تبرر إسرائيل معارضتها للمصالحة، إذا لم تكن توقعات الأمم المتحدة المهددة بأن تصبح غزة غير صالحة للسكن بحلول عام 2020 تلوح في الأفق.

الشروط المسبقة

وتساءل التقرير: لماذا ترغب السلطة الفلسطينية وحركة فتح في تولي المهمة الشائكة لإدارة أزمة غزة؟

وقال التقرير إنه يبدو أنهم واجهوا صعوبة حتى الآن في إثبات أنهم يفعلون ذلك انطلاقًا من الإحساس بالمسؤولية الوطنية، وليس لأسباب شخصية وفئوية. وقال بعض سكان غزة إن وفد رام الله دخل مثل الغزاة المنتصرين.

نجح عباس بالفعل في إفساد المزاج بأسلوبه الحاد والشروط المسبقة التي وضعها أمام حماس فى مقابلة تلفزيونية مؤخرًا، بما في ذلك نزع السلاح وإنهاء أنشطة قطر فى غزة. ويعتقد سكان غزة أنه كان بإمكانه أن يسيّر الأمور بشكل مختلف، تاركًا الشروط لما بعد بدء المفاوضات. يفتح رئيس السلطة الفلسطينية الباب مفتوحًا أمام شكوك العامة بأن فتح، أو على الأقل هو نفسه، يريد بالفعل إنفاذ المصالحة وإزالة العقوبات التي فرضها على غزة.

رأى التقرير أن الحيلولة دون أن تتدهور الأوضاع في غزة إلى كارثة أسوأ هو أحد أسباب استعداد السلطة الفلسطينية للمصالحة. وتجدر الإشارة إلى أن الجهد الدبلوماسي المتجدد من أجل قبول «دولة فلسطين» كعضو كامل في الأمم المتحدة هو تفسير آخر ممكن.

وقال التقرير إنه يتوجب على عباس وخلفائه أن يُظهروا أنهم يمثلون جميع الشعوب في الأراضي المحتلة عام 1967، مشيرًا إلى أن التخلي عن غزة، حتى لو كان ذلك أكثر ملاءمة من الناحية المالية، يضعف موقف عباس السياسي المنفتح.

واختتم التقرير بقوله إن مشاركة مصر المفتوحة في عملية المصالحة ترسل إشارة إلى إسرائيل: كما كان الحال في الماضي، وتحديًا لرغبات إسرائيل، ليس لدى مصر نية للسماح بضم غزة إليها أو فصلها عن بقية الفلسطينيين.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*