من هو الله ذاتا وموضوعا؟.. (الجزء الأول)

بانوراما الرأي والتحليل / ياسين شرف

في سبب تخلف المسلمين..

برغم أن المسلمين اليوم يتجاوز عديدهم المليار ونصف مسلم، إلا أنهم غثاء كغثاء السيل إلا من رحم ربي، والسبب في ذلك يعود لعامل الوراثة، بحيث أن الغالبية العظمى من المنتسبين لهذا الدين اتبعوه بحكم التقليد بدل الإيمان الحقيقي المؤسس على الفهم والإدراك لحصول القناعة التي يرتاح لها العقل ويطمئن لها القلب.

وكون المسلمين اليوم، وعلى وجه الخصوص العرب، يعترفون بواقع تخلفهم العلمي، وانحطاطهم الفكري مقارنة مع غيرهم من الأمم، فلا يعني ذلك أن السبب يعود إلى الدين نفسه بقدر ما يرتبط في جوهره بطبيعة النظم السياسية المستبدة التي حكمت وسادت في مختلف الحقب والعصور وهيمنت على إنتاج المعنى الديني بتواطؤ مع فقهاء السلاطين، فحولت هذا الدين العظيم إلى موروث ثقافي متكلس يلغي العقل لصالح النقل والتفسير الخرافي للنص، ويشجع روح التواكل والاستسلام والخنوع، ويشيع فكر التعصب والميز واللامساوات، فضلا عن إقصاء المختلف وتكفير المخالف، لدرجة أصبحنا معها اليوم أمة منبوذة في العالمين.

وليس غريبا والحال هذه أن يتساءل كل من لا يدين بالإسلام عن علاقة إله المسلمين وقرآنه بتصرفاتهم الهمجية، فيما يتساءل الشباب بحيرة عن موقف الدين من قضايا العصر، ولماذا وصلنا إلى ما نحن فيه من ظلمات لا يبدو الخروج منها ممكنا من دون ثورة معرفية جديدة تؤسس لثقافة دينية من نوع آخر مغاير للسائد من المفاهيم التي أثبتت التجارب خطأها وعجزها عن تشكل البديل الإنساني الجذاب.. فلا يجدون للسؤال من جواب، غير إصرار الأنظمة وكهنتهم من حراس المعبد على اجترار نفس المفاهيم العتيقة المستوردة من ثقافة القبور، وكأنها وحي منزل غير قابل للنقاش، وكل من حاول الاجتهاد لتجديد المفاهيم انطلاقا من النص المؤسس الذي هو القرآن إلا وقوبل بالتهجم والتحقير، بل والتكفير من قبل حراس العقيدة وتجار الفتاوى الذين يكفرون التفكير.

ولأن الدين ليس بحاجة إلى من يدافع عنه بقدر ما هو بحاجة إلى من يفهمه فهما صحيحا يتناسب مع الحقائق الثابتة الثاوية في كيمياء نصه، ويتساوق مع التجربة الإنسانية على أرض الواقع بتعقيداته المتشعبة في كل وقت وحين، فالذي يدّعي اليوم أن المعرفة الدينية التي ورثناها عن السلف تعتبر معرفة نهائية صحيحة، يكون كمن يسبح ضد التيار، في سعيه لمقاومة جهود المراجعة ومشاريع التجديد، ويرفض خوض المغامرة المعرفية لفهم الحقيقة الدينية وسنن الله في الكون والخلق انطلاقا من النص المؤسس نفسه. وبذلك، فهو لا يستطيع أن يقدم لنا فهما سليما للدين، أو تفسيرا موضوعيا للواقع في شموليته وتنوعه واختلافه، لأنه يختزل الدين الصحيح من وجهة نظره، في الدائرة الدوغمائية الضيقة التي يتحرك فيها، ويلبس الواقع رداء الإيديولوجيا في حدود المسموح له التفكير فيه، معتقدا أن الله خلق العالم وفق ضوابط فهمه.

والخطير في الأمر، أن حتى الله سبحانه وتعالى حوّلوه من رب للعالمين رحمن رحيم إلى إله شريريتكلمون بلسانه، ويكفرون ويذبحون ويغتصبون ويسرقون الناس ويفسدون في الأرض باسمه، ويتطاولون على مجال اختصاصه، لدرجة أصبحوا يوزعون صكوك الغفران ومفاتيح الجنة والنار على عباد الله المستضعفين، فأصبح الإرهاب «جهادا» والمقاومة «إرهابا»..

هذا فيما لا رهبانية في الإسلام، وكل نفس بما كسبت رهينة، ولا تسأل عما كان يفعل غيرها في الماضي، لأن التجربة تجربة آنية يسأل الإنسان على أساسها، ولذلك جعل الله تعالى المعرفةهي الغاية القصوى من خلق الإنسان وخوضه للجربة الأرضية بنجاح وفق ما يستفاد من أمر الله تعالى في أول آية من أول سورة نزلت في القرآن اقرأ، والقراءةلا تعني التلاوة للتبرك بالنص المقدس بقدر ما تعني التعلم والتدبر والفهم لحصول المعرفة، ومن دونها لا قيمة للإنسان بالمطلق، بل هو كالحيوان سواء، لتشبيهه تعالى بالحمار: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا) الجمعة: 5.

وإذا كانت المعرفة هي الغاية القصوى من خلق الإنسان وتشريفه بخلافة الله في الأرض، من باب تأهيله ليكون في مستوى هذا التشريف العظيم ومستوى حمل مسؤولية الأمانة، فإنه بالمعرفة يرقى وبها يسعد في الدنيا وعلى أساسها يكون نجاحه أو فشله في مهمة الخلافة، وأول هذه المعرفة هي معرفة الله تعالى، لأن من شأنها أن تذيب العديد من أوجه الاختلاف والخلاف بين الناس، ومعرفة الله هي جوهر العبادة وشرط القيام بمهمة الخلافة على الوجه الصحيح، أما التعبد، فيعني الدعاء من خلال طقوس وشعائر يتقرب بها الإنسان من ربه طلبا لنوره وهدايته وعونه لينجح في المهمة التي خلق من أجلها.

لذلك، سنخصص هذه الورقة لموضوع معرفة الله تعالى الذي هو الغاية النهائية لكل معرفة في الحياة الدنيا، وذلك على ضوء القرآن مع الاستئناس ببعض ما ورد في المأثور عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

العابـــد و المعبـــود..

لا أحد في هذا العالم يملك تصورا واضحا عن ماهية الله تعالى ذاتا وموضوعا، فلا يعرف الله إلا الله. كما أن لا أحد يستطيع أن يتوجه إلى الله باسمه الجامع الذي هو الله، لأن الأحدية تلغيهكما يقول محيي الدين ابن عربي في رسالة الأحدية، فالمريض يتوجه بالدعاء إلى الله الشافي، والفقير إلى الله الغني، والضعيف إلى الله القوي، والمظلوم إلى الله العادل، والمذنب إلى الله الغفور.. وهكذا إلى آخر الأسماء والصفات، لكن لا أحد يستطيع التوجه إليه في عبادته باسمه الأعظم الجامع لكل الأسماء والصفات مما نعلم ولا نعلم.

كما أن الله الذي نتحدث عنه هو رب العالمين جميعا لا رب أمة دون سواها، وهو الذي خلق الإنس والجن ليعبدوه طوعا أو كرها، لقوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الذاريات: 56. والعبادة وفق مضمون الآية لا تعني طقوس وشعائر التعبد، بدليل قوله تعالىليعبدونو لم يقل لأعُبد أو لأكون معبودا لهم، لأن اللام في الجن و الإنسهي للجنس لا للاستغراق، وحيث أن التعبد هو غير العبادة، لما للتعبد من طقوس تختلف بين الجن والإنس وبين أمم الإنس نفسها، فالمراد بالعبادة وفق ما يستفاد مضمون الآية هو الغاية من الخلق، أي الخلافةوالتي من شروطها معرفة الله والخضوع والاستسلام والامتثال طوعا أو كرها لإرادته التي لا يستطيع أحد الإفلات منها أو التصرف من خارجها، لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له).

وما يؤكد هذا المعنى، هو أن كل ما في هذا الكون إلا وعلى صراط مستقيم لقوله تعالى: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم) هود: 56. والتالي، يكون من المستحيل أن تتفلت دابة من قبضة الله لتتصرف من خارج إرادته ومشيئته.

والدابة وفق التعريف القرآني، هو كل كائن يدب في سعيه سواء أكان له رجلين كالإنسان أو أكثر كالحيوانات والحشرات أو من تدب على بطنها كالزواحف وغيرها، بل وحتى المخلوقات الفضائية التي لا نعلم عنها شيئا حتى الآن، تعبد الله، وهو قادر على جمعها بمخلوقات الأرض لو يشاء، لقوله تعالى (ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير). لا حظوا قوله (فيهما) أي في السماوات والأرض وليس في الأرض فحسب، ما يؤكد يقينا وجود مخلوقات أخرى في السماوات لا نعلرف بعد عنها شيئا.

أما التعبد الذي يعني التضرع والدعاء لطلب المغفرة والعون والرحمة، فهو بعدد أنفاس الخلائق في هذا الكون الفسيح، ويستحيل أن لا يعبده أحد من خلقه بحكم الجينات الموضوعة في أصل فطرته. وكون الله جعل كل ما في السماوات والأرض عابدا له طوعا أو كرها لقوله تعالى: (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال) الرعد: 15. فمعنى ذلك أن الذين يرفضون ممارسة طقوس التعبد طوعا فإنهم يمارسونها كرها وهم لا يشعرون حين تسجد ظلالهم لله صباح مساء، لما يعنيه تقلص الظلال في هذه الأوقات بفعل انعكاس النور على الأجسام فتخضع لذلة السجود على الأرض كرها.

وعلى هذا الأساس، فإذا انطلقنا من هذه الحقيقة القرآنية الواضحة، يصبح كل قول بأن من ليس على ديننا نحن لا يعبد الله، قول خاطئ تماما، لأنه يتعارض مع ما ورد في الآيات السالفة الذكر جملة وتفصيلا.

والسؤال هو: كيف يمكن للإنسان معرفة الدين من خلال الخطاب الإلهي دون أن يكون قادرا على معرفة من هو صاحب هذا الخطاب؟.. وما الفرق بين الله والرب؟..

الفرق بين الله و الرب..

يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (من عرف نفسه فقد عرف ربه)، وهذا يعني أن من شروط الربوبية وجود المربوب، كقولك مثلا رب البيت أو رب العمل، لأن شرط وجودهما مرهون بوجود البيت ووجود العمل والعمال، وليس من شرط الألوهة وجود العالم والإنسان لقوله تعالى (فان الله غني عن العالمين) آل عمران: 97. وهو ما فسره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (كان الله ولا شيء معه)، وعندما سأل كيف هو الآن؟ قال: (كما كان لا يزال) من دون قبل أو بعد، لأن كل ما يحدث في الوجود يقع الآنبمفهوم المدى اللامتناهي..

وهذا ما أكدته التجارب العلمية لقياس سرعة حركة الأجسام، فمثلا لو أطلقت رصاصة من مسدس فلن يكون بمقدورك رؤيتها بسبب السرعة الكبيرة التي تنطلق بها نحو هدفها (المستقبل)، لكنك لو انطلقت ولحقت بها فستبدو لك وكأنها ثابتة في مكانها لا تتحرك (الحاضر)، ولو زدت من سرعتك وسبقتها، فستبدو لك وكأنها تعود للخلف نحو (الماضي).

هذه النظرية انطلق منها ألبرت أنشتين للقول، إنك لو تمكنت من الوقوف في قبة الكون، فستبدو لك الكواكب والنجوم ثابتة في مكانها بلا حراك بالرغم من اختلاف سرعة دورانها حول نفسها وحول الأجرام، وستكتشف أن كل ما يحدث في الكون يحدث أمامك الآن في الحاضر من دون ماضي ولا مستقبل.

وكشأن كل القضايا التي تثار في القرآن، عرفت هذه المسألة بدورها جدلا حادا بين الفقهاء والمتكلمين، حول معني توحيد الألوهيةو توحيد الربوبيةوالفرق بينهما.

فمنهم من فرق بينهما فجعل توحيد الربوبية ليس كتوحيد الألوهية كابن تيمية الذي قال: “إن الرسل لم يبعثوا إلا لتوحيد الألوهية وهو إفراد الله بالعبادة، وأما توحيد الربوبية وهو اعتقاد أن الله رب العالمين المتصرف في أمورهم فلم يخالف فيه أحد من المشركين والمسلمين بدليل قوله تعالى: ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله)، وهو استدلال غير موفق لأنه يخلط بين الألوهية والربوبية ويجعلهما في مقام واحد بلا فرق.

وقبل ابن تيمية، قال بمثل هذا القول الإمام الطبري في تفسيره لقوله تعالى: (ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) أي: ” فاعبدوا ربكم الذي هذه صفته وأفردوا له الربوبية والألوهية” (المجلد السابع 11/60). وكذلك قوله تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي الذي فعل هذه الأفعال وأنعم عليكم هذه النعم هو الله الذي لا تنبغي الألوهية إلا له وربكم الذي لا تصلح الربوبية لغيره” (المجلد السابع 11/35).

وقال ابن قتيبة في قضية الفطرة التي فطر الله الناس عليها: فلست واجداً أحداً إلا وهو مقر بأن له صانعا ومدبرا إن سماه بغير اسمه، أو عبد شيئا دونه ليقربه منه عند نفسه، أو وصفه بغير صفته أو أضاف إليه ما تعالى عنه علوا كبيرا، قال تعالى (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)” (تأويل مختلف الحديث: 129).

وذهب العز بن عبد السلام إلى نفس المعني بقوله:لا يمكن أن يقال: إنهم – أي المشركين كانوا يعظمون الأصنام أكثر من تعظيم الله، لأنهم قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)” (الفوائد في مشكل القرآن 90).

وأكد ابن الجوزي أن:ما يقال عن الفلاسفة من جحد الخالق محال فإن أكثر القوم يثبتون الصانع (تلبيس إبليس 49).

أما الفريق المعارض لهذا الرأي، فهو المتمثل في محمد ابن عبد الوهاب شيخ السلفية الوهابية وأتباعه من بعده، حيث ينكرون جملة وتفصيلا مثل هذا القول، ويؤكدون أن لا فرق بين الله والرب من حيث أنه الخالق، الرازق، المحيي، المميت، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع من في السماوات والأرضين عبيده تحت قهره وتصرفه. وبهذا المعني، يكون توحيد الألوهية والربوبية توحيدا واحدا.

والحقيقة أن الأقوال في هذه المسالة كثيرة في التراث لا يسع المقام للتوسع فيها، وهي عموما لا توضح الصورة بشكل جلي كما فعل رسول الله.

أما الصوفية، وعلى رأسهم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، فيفرقون بين الألوهية والربوبية على أساس اختلاف مستويات الحقيقة، وهو اختلاف وظيفي محض، حيث يعتمد ابن عربي في تحديد هذه الوظيفة على حديث نبوي فحواه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل: ( أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق؟..) فقال: (كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء).

وتتحدد وظيفة العماء وفق تأويل ابن عربي لهذا الحديث، على أساس أنه مستوي الاسم الإلهي الربالذي دار حوله سؤال السائل. واسم الرب يتطلب المربوب، أي يتطلب الوجود الفعلي للعالم والإنسان. وإذا كان اسم الله يمثل الاسم الجامع المعبر عن الألوهية في جمعيتها، فانه لا يتطلب بالضرورة وجود العالم ولا يتعلق بالكون. واسم الرب من جانب آخر وفق ما يقول ابن عربي: “هو مستوي اسم الرب كما كان العرش مستوي اسم الرحمن. والعماء هو أول الأينيات، ومنه ظهرت المحال القابلة للمعاني الجسمانية حسا وخيالا. وهو شريف الحق في معناه. وهو الحق المخلوق به كل موجود سوي الله. وهو المعني الذي ثبتت فيه واستقرت أعيان الممكنات، ويقبل حقيقة الأين وظرفية المكان ورتبة المكانة واسم المحل. ومن عالم الأرض إلى العماء ليس فيها أسماء الله سوي أسماء الأفعال خاصة، ليس لغيرها أثر من كون ما بينهما من العالم المعقول المحسوس” (نصر حامد أبو زيد / فلسفة التأويل: 77 / في شرح قول ابن عربي في الفتوحات المكية 2/283).

وخلاصة القول أن اسم اللهالجامع وفق هذه الرؤية، غني بنفسه وموجود بلا شرط شيء على الإطلاق، سواء قبل الخلق في العماء أو بعد خلق السماوات والأرض.

أما اسم الربفلا يظهر له معني من غير إيجاد المربوب، من حيث أن ظهور الأول يكون مشروطا بوجود الثاني، فلا يعقل أن يكون الرب ربا من دون وجود المربوب، وهذا هو المعني الذي ذهب إليه ابن عربي في شرحه لحديث الرسول، ما يجعل التفريق بين الألوهية والربوبية من حيث المستوي الوظيفي أمرا مقبولا من الناحية العقلية والدينية معا.

وبهذا المعني تكون العبودية للرب، لقوله تعالي: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة 21. فبين تعالى أن العبادة تكون للرب الذي خلق المعبود، وأوضح سبحانه في فاتحة الكتاب، أن هذا الرب المعبود، هو الله الذي كان ولا شيء معه وهو الآن كما كان لا يزال، وذلك بقوله: (الحمد لله رب العالمين).

فالذي حدث وأوجب العبادة للرب، هو إيجاد الإنسان المربوب الذي يقول (إياك نعبد وإياك نستعين). ولذلك قال ابن عربي بأن الألوهية تلغيك من حيث أن العبد يستحيل أن يدركها أو يتوجه إليها بالعبادة في شموليتها كما أسلفنا في مقدمة هذا المبحث..

وفي الحديث القدسي حول رؤية الله يوم القيامة، والذي أورده البخاري عن أبي هريرة تحت رقم 331 وما بعده من صيغ مختلفة، يستفاد من مضمونه أن الله تعالي يجمع الناس يوم القيامة فيقول لهم: “من كان يعبد شيئا فليتبعه“.. وهو ما يدل على أن الناس لا تملك تصورا موحدا حول ماهية الله، وكل مخلوق له تصور متخيل خاص به عن الكائن الأعلىأو القوة القاهرةأو العقل الأولأو نور الأنوار، والذي لا يختلف عن إحدى مفاهيم التوحيد المتضمنة في اسم الله الجامع، بما في ذلك المشركين والفلاسفة وغيرهم.

ولتتضح الصورة بشكل أدق، فنصل إلى معرفة من هو الرب قبل البحث في من هو الله لاختلاف مستويات الحقيقة بينهما، لا بد وأن ننطلق من نقطة البداية، وبالتحديد من اللحظة التي قرر فيها الله تعالى خلق الإنسان لعمار الأرض، وهي واقعة تجيب بشكل واضح على سؤال الوجود والمصير (من أين جئت؟.. وكيف؟.. ولماذا؟.. وإلى أين أسير؟..) لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: (من عرف نفسه فقد عرف ربه).

وهذا هو ما سنبحثه في الجزء الثاني بحول الله.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*