مفاجأة.. د. محمد عمارة يكتشف السبب وراء ظهور الإرهاب

خاص: بانوراما اليوم / أحمد الشرقاوي –

قال د. محمد عمارة عضو هيئة كبار العلماءبالأزهر، في برنامجه على اليوتوب” (سؤال وجواب)، إن تنظيم الدولةتخرج من سجون شيعة العراق وإيران، مشيرا إلى أن معتقلات النظم المستبدة العميلة هي الرحم الذي خرجت منه كل جماعات العنف والتطرف.

هذا الكلام العطن بما يحمله من مغالطات تاريخية وموضوعية غير بريئة، تفوح منه رائحة الطائفية المقيتة لأسباب في نفس يعقوب، وخدمة لجهات لم يذكرها بالرغم من أن العالم أجمع، يقول اليوم أن الرحم الذي يفرخ الإرهاب في المنطقة والعالم هو قرن الشيطان ومملكة الشر والظلام السعودية التي تتبنى الفكر الوهابي التكفيري، وهو بالمناسبة ذات الفكر التي تمتح من مرجعياته التأسيسية مدرسة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها هذا المفتري، والتي برر عنفها في السبعينيات وما بعد السبعينيات بديكتاتورية جمال عبد الناصر والتعذيب الذي كان يمارسه ضد الإخوان في سجون المحروسة، متناسيا أن إرهاب الجماعة بدأ قبل عصر الراحل عبد الناصر بعقود.

ثم بماذا يمكن وصف محاولة الإخوان اغتيال الراحل جمال عبد الناصر في المنشية بالإسكندرية بتعليمات من المخابرات البريطانية عام 1954؟.. ألم يكن ذلك إرهابا منظما وعمالة ترقى لمرتبة الخيانة العظمى قبل حتى أن يكون هناك إخوان في سجون ناصر؟..

وعن أي سجون إيرانية يتحدث هذا المفكر الإسلاموي المفلس، ألم تكن السجون في العراق تدار من قبل أمريكا بتمويل من السعودية ومشيخات الخليج، وكان أبو بكر البغدادي ينتمي للسلفية الجهادية التي كان يتزعمها في حينه الأردني أبو مصعب الزرقاوي الذي انقلب على بن لادن الوهابي والظواهري الإخونجي؟..

وبالتالي، ما علاقة إيران بـداعش، وما محل سجونها من الإعراب في ادعاء د. عمارة الكاذب؟..

والحقيقة أن مصيبة أمتنا ليست في الإرهاب الذي هو مجرد أداة توظفها أنظمة رجعية في المنطقة لمصلحة أسيادها في واشنطن وتل أبيب، ولا في الأنظمة القبلية الرجعية التي تفرخ الإرهاب وتموله وتدعمه من أجل تحقيق أهداف سياسية انتهازية، بل المصيبة تكمن في بعض من ينتسبون زورا وبهتانا لـعلماء الدين، وليس لهم من العلم إلا التسمية، لأنهم هم من يروجون لهذا الفكر المجرم الذي لا يمت للإسلام ولأخلاق المحمدية والقيم الإنسانية بصلة.. وأحرى أن نتحلى بالشجاعة ونسمي أمثال هؤلاء الكهنة الذين يتاجرون بالدين من أجل مآرب زمنية بـالجهّال“.

لأن الجاهل في المفهوم الاصطلاحي ليس هو من لا يعرف القراءة والكتابة، بل الجاهل هو العالم الذي يمتلك قسطا وافرا من المعرفة، وباستطاعته التمييز بين الحق والباطل، لكنه ينحاز للباطل مدافعا عنه بقوة ليدحض الحق تملقا ونفاقا للأنظمة الرجعية التي تغدق عليه بالعطاء.. لقد أصبح الدين تجارة رائجة في هذا الزمن العربي المظلم، يستغله كل من هب ودب كوسيلة للارتزاق حتى لو كان ذلك تقربا من الشيطان ضدا في تعاليم السماء.

لأن ما قاله د.محمد عمارة، يجعلنا في حيرة من أمرنا.. – هل نصدق ترهات د. عمارة ونكذب الوزيرة كلينتون التي اعترفت رسميا في مذكراتها بأن بلادها هي من صنعت داعشلتغيير وجه المنطقة؟..

وهل نكذب الرئيس أوباما الذي برّأ ساحة إيران واعتبرها دولة عقلانية فيما اتهم السعودية بتفريخ الإرهاب عبر المدارس الدينية التي مولتها في مختلف أقطار العالم وصولا إلى أندونيسيا؟..

وهل نكذب أيضا الرئيس الحالي دونالد ترامب الذي اتهم علانية الرئيس أوباما ووزيرته في الخارجية كلينتون بالوقوف وراء ظهور داعشوتمددها في المنطقة ما أدى إلى حالة الفوضى التي تعصف بالإقليم منذ اندلاع الربيع العربي وإلى يوم الناس هذا؟..

وهل نكذب جرائد أمريكية يمينية معادية لإيران كـواشنطن بوستوغيرها التي تقول في أكثر من مناسبة وافتتاحية أن إيران وحلفائها هم من يتصدون للإرهاب في المنطقة ويحاربونه بشكل عملي ونوعي أكثر بكثير مما يقوم به التحالف الدولي بقيادة أمريكا؟

وهل نكذب التقارير الاستخباراتية والكم الهائل من التصريحات المسؤولة التي صدرت عن جهات رسمية غربية تتهم السعودية ومن معها بتفريخ وتمويل ودعم الإرهاب في المنطقة والعالم خدمة لأهداف جيوسياسية أمريكية، لعل أهمها وأخطرها تقرير المخابرات الألمانية الذي قال أن السعودية ومن معها جندوا 360 ألف إرهابي من مختلف أصقاع الأرض لـيجاهدوافي سورية؟..

والسؤال الذي على ذ. عمارة الجواب عليه هو: – هل هؤلاء المرتزقة الأغراب الذين لا علاقة لهم بسورية ونظامها وشعبها خرجوا من سجون الشيعة في العراق وإيران؟..

هذا معقول؟..

وها هو الشيخ حمد بن جاسم يفضح هذا الأسبوع دور بلاده ومشيخات الخليج في المؤامرة على سورية، ويقول أنهم شاركوا جميعا في دعم الجماعات المقاتلة بمعية المخابرات الأمريكية والأطلسية من خلال غرفتين للعمليات بالأردن وتركيا، ولم يتهم إيران من قريب أو بعيد..

وها هم نواب في مجلس الشيوخ الأمريكي ينتقدون سياسة بلادهم ضد إيران بمناسبة مناقشة العقوبات الجديدة عليها، ويقولون بصريح العبارة: “إن الولايات المتحدة ركّزت في عملها على إيران بطريقة أنستها الخطر الوهابي ودور الدول المتشددة في تأجيج الصراعات في المنطقة (في إشارة إلى السعودية وقطر والإمارات وتركيا والأٍردن)، ونسيت الإرهاب أيضا في جميع أنحاء العالم، مؤكدين أن السعودية هي من تدعم التطرف وليس إيران، وفق ما أورده موقع ناشيونال أنترستالأسبوع الماضي، مضيفة أن من النواب من طالب بلاده بالكف عن محاربة إيران ووضع برنامج كامل وشامل لمواجهة الإرهاب في الشرق الأوسط، وإيجاد طرق لإيقاف الدعم السعودي للمتطرفين.

ولا نريد الحديث عن دور السعودية في أحداث 11 أيلول/شتنبر 2001، ولا عن قانون جاستا، ولا عن الأزمة التي فجرتها الرياض مؤخرا مع قطر لتحميلها شرور الإرهاب لتحميل جماعة الإخوان مسؤولية شروره بدل السلفية الوهابية، من باب ذر الرماد في العيون وتوجيه الحملة الدولية ضدها في اتجاه آخر من باب التعمية والتضليل.

فأين يذهب د. محمد عمارة من هنا؟..

ثم ألا يعلم هذا المفتري أن الإرهاب ظهر قبل الثورة الإيرانية التي حاولت السعودية مرارا تحويلها إلى شماعة تعلق عليها فشلها وخيباتها، وتصدّر من خلال إعلان الحرب عليها كل مشاكلها الداخلية والخارجية مع جيرانها والعالم العربي والإسلامي، بل والعالم الغربي أيضا؟..

الرأي العام العربي يعرف حق المعرفة أن الثورة الإيرانية نجحت أواخر عام 1979، والإرهاب الوهابي كان يقاتل في أفغانستان إبان الاحتلال السوفياتي لمصلحة الهيمنة الأمريكية على المنطقة والعالم، الأمر الذي أدى إلى سقوط الامبراطورية السوفياتية السابقة، وهذه حقيقة تاريخية لا يمكن لـد. محمد عمارة القفز عليها، لأن ذاكرة الشعوب العربية ليست مثقوبة كما قد يعتقد ووعيها أكبر من وعيه بكثير، بدليل أنه كلما اتهمت إيران بدعم الإرهاب في المنطقة إلا وتسائل الناس عن طبيعة الإرهاب الذي تدعمه إيران في مصر وليبيا ونيجيريا والصومال والجزائر والمغرب وتونس وفرنسا وبريطانيا وألمانا وغيرها كثير.. أين هم الشيعة في كل هذا؟..

ونذكر د. عمارة المشبع بالفكر الإخواني، أن الجماعة التي ينتمي إليها سرا وتفضحه توجهاته الفكرية المتساوقة مع عقيدتها، كانت أول من أيدت الثورة الإيرانية واعتبرتها ثورة المستضعفين ضد النظام الشاهنشاهي الفاسد والعميل الذي كانت مشيخات الخليج تركع أمامه وتقدم له فروض الطاعة والولاء، ودعمت الجماعة حينها جهودها في محاربة الفساد والفسق والفجور، وأبدت استعدادها للوقوف إلى جانب الثورة الإيرانية بهدف ترسيخ وحدة المسلمين، خصوصا بعد أن أعلنت الثورة دعمها للقضية الفلسطينية والقدس حتى التحرير وزوال إسرائيل، وهو الدعم الذي لم يكن مجرد شعار بل واقعا عمليا أنتج انتصارات مدهشة في لبنان وغزة لم تستطع الجيوش العربية مجتمعة تحقيقها..

ويعلم الجميع أن إيران تحارب اليوم بسبب دعم المقاومة ضد إسرائيل، بدليل أن السعودية تعتبر حزب الله وحماس جماعات إرهابية.. فهل هذا هو الإرهاب الإيراني الذي يتحدث عنه د. محمد عمارة في هذا الشهر الفضيل؟..

أما قوله أن السجون والتعذيب هي السبب في ظهور الإرهاب، فالموضوعية تفرض علينا طرح السؤال التالي: – لماذا لم يخرج إرهابي شيعي واحد من رحم 40 سنة من المعاناة والقتل والتعذيب زمن صدام حسين الذي لم يتوانى في استخدام كل أساليب القتل والترهيب في حقهم بما في ذلك السلاح الكيماوي (قضية حلبجة مثالا)؟..

والحقيقة، أننا لم نسمع عن شيعي واحد فجر نفسه في العراق أو تصدى لا لقوات صدام ولا لطائفته السنية التي كان ينتمي إليها انتقاما أو غيرها من الطوائف على امتداد جغرافية الوطن العربي والعالم، واستمر هذا الوضع إلى يوم الناس هذا حيث أعلنت المرجعيات الدينية الشيعية الجهاد ضد الفكر التكفيري الذي يقتل السنة والمسيحيين والإيزيديين والتركمان والسريان وغيرهم من الإثنيات والطوائف والمذاهب بدعوى نصرة المظلومين السنة، وهو الشعار الذي رفعته السعودية كمبرر لخلق فتنة مذهبية بين السنة والشيعة، عملا بتوصية الثعلب الصهيوني كيسنجر، الذي تنبأ بحرب دينية تعصف بالمنطقة لـ 100 سنة قادمة، وتنتهي بتقسيم الدول العربية لتسود إسرائيلكقوة إقليمية عظمى بلا منافس ولا منازع.. وهذا هو جوهر الشرق الأوسط الجديد الذي تعمل عليه السعودية ومن معها منذ حرب لبنان الثانية وإعلان مصاصة الدماء كوندوليزا رايسمن بيروت أنه من مخاض الحرب ضد حزب الله سيولد شرق أوسط جديد، وهو المشروع الصهيو – أمريكي الذي ركبه الإخوان أيضا بقيادة تركيا وقطري ليكون لهم نصيب من السلطة في ظل العمالة لواشنطن وتل أبيب.

هذه المعطيات وغيرها كثير، يقودنا اليوم إلى خلاصة مفادها، أنه لولا إيران وحلفائها لسقط الخليج وكل الدول العربية وعلى رأسها السعودية في يد التكفيريين، ولعاد العالم العربي إلى الجاهلية الأولى وساد الظلام أكثر بكثير مما هو سائد اليوم، ولعل نقطة الضوء الوحيدة التي تبدو في الأفق اليوم، تكمن في قرب هزيمة الإرهاب في المنطقة بفضل دماء وتضحيات المجتهدين الشرفاء في محور المقاومة، ليبدأ عهد جديد من مقارعة الهيمنة الأمريكية والوجود الصهيوني وأدواتهما في المنطقة، وهذه لحظة ستتلقفها الشعوب لا محالة لتعيد كتابة تاريخ هذه الأمة على أسس جديدة.

وحري بـ د.عمارة أن ينتقد تجربة الإخوان وانقيادهم وراء قطر وتركيا وتنكر السعودية والإمارات ومصر لهم اليوم، ووصمهم بالإرهاب في محاولة لإلغائهم من المسرح السياسي، هذا في ما ظلت إيران وفية لهم، لم تعاديهم، ولم تحاربهم، بل دعمتهم سياسيا، ودعمت مقاومة حماس في غزة، ولولاها ولولا سورية لسحقت حماس تحت أحذية الصهاينة وانتهى أمرها إلى الأبد.. نقول هذا لأن تركيا وقطر الداعمتان للإخوان لم يقدما لحماس بندقية أو رصاصة، وهذا أمر معروف لا يحتاج لتوضيح..

وبالتالي، فمن هو الداعم للمقاومة ومن هو الداعم للإرهاب في المنطقة؟..

على د. عمارة أن لا يحتقر الرأي العام العربي، أو لنقل من يتابعون كتاباته ويسوق لهم ترهاته، وأن يتحلى بالنزاهة والموضوعية والشجاعة ويقول الحقيقة مجردة كما هي تقربا لله لا للسعودية، لأن مثل هذا الفكر الإسلاموي الانتقائي والاختزالي الذي يعتمده هذا الأزهري المنافق لم يعد صالحا لتفسير الظواهر المعقدة، وخصوصا ظاهرة الإرهاب السياسي الذي يتخذ من الدين قناعا.

ونذكره بالمناسبة أن الأزهر الذي ينتمي إليه قد فقد دوره وشرفه حين تحول إلى مؤسسة كهنوتية في خدمة العسكر في المحروسة والإقطاع في السعودية، بسبب انقلابه على بيان مؤتمر غروزني الذي رفض الاعتراف بالوهابية كمذهب إسلامي، وبسبب موقفه المنافق من داعشوالقاعدةوالجماعات التكفيرية التي تقاتل معهما، وبسبب دعمه لحرب التحالف السعودي الهمجي ضد الشعب العربي المسلم والمظلوم في اليمن، باسم الدفاع عن شرعية مزورة ضدا في شرعية الشعب، ولأنه أخيرا دعم الحصار الظالم ضد الشعب القطري ما أضر أيضا بشرائح واسعة من شعوب الخليج بما في ذلك السعودية والإمارات والبحرين.

وخير لـ د. عمارة أن يقول كلمة الحق لإرضاء الله بدل السعودية.. أو يصمت إلى الأبد ويوفر على الناس عناء السؤال.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*