مفهوم الخيانة.. بين الدين والسياسة

خاص: بانوراما اليوم / ياسين شرف –

لم يترك النظام وسيلة إلا ووظفها ضد حراك الشباب المطالب بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.. من الخطاب السياسي والإعلامي المضلل لتبرير الفشل ومحاولة التفلت من مسؤولية المسائلة والمحاسبة، إلى المقاربة الأمنية التي اتسمت بالاستعمال المفرط للقوة في حق المتظاهرين المسالمين، وما تخللها من انتهاكات لحرمة منازل المواطنين وتكسير وترهيب واعتقالات تعسفية وتعذيب وتشهير وإهانة حاطة بالكرامة الإنسانية، وصولا إلى إقامة محاكمات سياسية بلبوس تهم جنحية أثارت غضب المغاربة في الداخل والمهجر، وجرّت على النظام انتقادات حقوقية من منظمات وطنية ودولية..

ولأن كل ذلك لم ينجح في كسر إرادة المناضلين الشرفاء وثنيهم عن الاستمرار في تنديدهم بالظلم والحكرةوفساد النظام، وأمام إصرار قادة الحراك المعتقلين على شعار النصر أو الشهادة، استشعرت مخابرات المخزن خطورة المرحلة، فاستدعت عامل الدين، في محاولة للتأثير على أفكار وقناعات وموافق النشطاء، وتصوير قرارهم بتنظيم مسيرة 20 يوليوز بأنه خيانة، وسعي لتسعير نار الفتنة من قبل أعداء الوطن الانفصاليين، الذين توعدهم الكاهن الفيزازي في إطلالة له الثلاثاء، بـعقاب رباني شديد سيحل بهم، لأنهم خانوا الدين والوحدة الترابية للملكة ومؤسسة إمارة المؤمنين وكرامة المغاربة، وفق زعمه، مستشهدا بقوله تعالى (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب) الأنفال: 25.

وللتوضيح نقول، أن الآية الكريمة التي استشهد بها هذا الوهابي الجاهل بالدين والتاريخ وبسنن الله في الخلق، نزلت في أهل بدر وفق ما تؤكده عديد التفاسير المدعومة بأحاديث للرسول الكريم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وتشير في مجملها إلى الفتنة الكبرى التي انتهت بمقتل عديد الصحابة في موقعة الجمل، ومنهم طلحة و الزبير، وهما من أهل بدر. وبالتالي، فلا يمكن إخراج الآية من سياق معناها التاريخي وسحبها على ما يحدث اليوم في المغرب بأداة القياس، لأن محمد السادس ليس أميرا للمؤمنين في مستوى علي بن أبي طالب عليه السلام، بل الأصح القول أنه على سنة المجرم يزيد.

موقف الكاهن الفيزازي هذا ليس غريبا ولا مفاجئا، لأنه ليس الأول ولن يكون الأخير، في ظل نظام تيوقراطي متعفن حوّل بيوت الله والخطاب الديني إلى سلاح سياسي للترويج لمشروعيته المزعومة، ومهاجمة كل معارض منتقد لسياساته، وتصويره كما لو أنه معارض لله ودينه، محتجّ على إرادته ومشيئته، تماما كما كان الأمر زمن الجبر بمفهومه الغليظ الذي قال به معاوية، واستغله ولده اليزيد لذبح أسرة الرسول كالنعاج، وهدم بيت الله الحرام وحرقه بالنار والزيت، وبعد أن أنهى المعارضة لحكمه بسلاح الدين، زار الكعبة حاجا بمعية ثلة من الفقهاء المنافقين الذين برروا فعلته واعتبروها خدمة للدين ومصلحة للمسلمين، فسقطت الأمة سقطة لم تنهض بعدها إلى يوم الناس هذا، والسبب يكمن في أنها تركت القرآن مهجورا، وصدّقت حديثا مدسوسا يقول بعدم جواز الخروج عن طاعة ولي الأمر حتى لو كان فاسق فاجر ما لم يصدر عنه كفر صريح، وبذلك تم تشريع عقوبة قتل المرتد والمعارض السياسي سواء، وحين سيسأل الله تعالى رسوله يوم القيامة عمّا فعلته أمته برسالته من بعده، سيقول: يا ربي، إن قومي تركوا هذا القرآن مهجورا.

لأن مصيبتنا أيها السادة تكمن في عقلية فقهاء السلاطين المشبعة بثقافة الزبالة، وبفضلها نعيش اليوم في زمن منحط ضاعت فيه المبادئ والقيم والأخلاق، وأصبح أشباه الفقهاء هم أسياد الساحة، يحددون للناس المعاني، يزعمون امتلاك الحقيقة، يعطون لأنفسهم شرعية الوصاية على عقيدة الناس وقيمهم، يفرضون عليهم رؤيتهم المشوهة للدين، ويقدمون أنفسهم كمرجعة لها سلطة معنوية تسمو فوق سلطة النص المقدس الذي لا يفهمون منه إلا القشور.

والحقيقة، هذه ليست المرة الأولى التي يستنجد بها النظام بالدين في مواجهة الحراك، فقد رأينا كيف أنه استعمل خطبة الجمعة لإقناع الناس بأن الاحتجاج ضد الاستبداد والفساد فتنة يجب تجنبها، وأدى الأمر باعتراض ناصر الزفزافي على استغلال بيوت الله كمنابر سياسية من قبل النظام إلى اعتقاله ومتابعته قضائيا، هذا في ما الله تعالى يقول، إن المساجد لله فلا تعدوا مع الله أحدا.

ورأينا ايضا كيف أن السلفيين في مراكش، وبأوامر من الكاهن المغراوي، قاموا مطلع الشهر الماضي، مسنودين من بلطجيةمخابرات النظام، باحتجاز مناضلين داعمين لحراك الريف، وأشبعوهم ضربا وشتما، وهددوهم بالذبح كالخراف في جامع الفناأمام الأشهاد والأجهزة الأمنية التي يفترض فيها حماية المواطنين، فتم نسف الوقفة الاحتجاجية.. وإذا لم يكن هذا إرهابا، فلا وجود لشيئ إسمه الإرهاب على الإطلاق.

لكن الجديد هذه المرة، أن النظام الذي يزعم أنه يتبنى نهجا دينيا معتدلا، ويعرّف هويته الدينية بأنها سنية المذهب، أشعرية العقيدة، صوفية الهوى، لا يتوانى في استدعاء كهنة الوهابية من مدرسة ابن تيمية للاستعانة بهم من أجل ترهيب المواطنين الآمنين وتهديدهم بتحويل المغرب إلى ليبيا وسورية، وهو ما يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن النظام متورط حتى العظم في دعم الإرهاب بالمنطقة، بدليل أن آلاف المغاربة الذين التحقوا ببؤر الصراع في العراق وسورية، غرر بهم من قبل شيوخ الوهابية في المغرب بتواطؤ مع المخابرات المخزنية، وتم ترحيلهم إلى جبهات القتال عبر تركيا، بتمويل سعودي قطري، خدمة لمشروع الشرق الأوسط الجديد الصهيو – أمريكي. تماما كما حدث زمن الحرب في أفغانستان ضد الاحتلال السوفياتي.

ولا نحتاج هنا التذكير، بأن رهان النظام على العامل الديني المتطرف، طال أيضا المجال السياسي حين صنع النظام حزبا دينيا يمتح من العقيدة السلفية التكفيرية، ليكون ضدا نوعيا لجماعة العدل والإحسان زمن الحسن الثاني، وهو ذات الحزب الذي استعمله محمد السادس لسرقة حراك المغاربة عقب 20 فبراير 2011، ونقصد بذلك حزب المصباح الذي اعترف أمينه العام في أكثر من مناسبة وخطاب أن مرجعيته هي شيخ التكفير ابن تيمية..

نقول هذا، لأن لا أحد يستطيع أن يفهم، كيف أن النظام الذي يدّعي الشرعية الدينية المعتدلة ويقول أنه مسؤول عن الأمن الروحي للمغاربة، يسمح بقيام تنظيم ديني رسمي يمتح من إديولوجية متطرفة يزعم النظام محاربتها (؟؟؟)..

هذا النهج لا يمكن تفسيره موضوعيا إلا في إطار نظرية المؤامرة، المؤامرة على الشعب المغربي في الداخل، والأمة العربية والإسلامية في الخارج. ومن له تفسير عقلاني آخر فليفدنا به مشكورا.

*** / ***

من هنا نفهم سبب لجوء جند النظام من المتطفلين على الدين والسياسة والإعلام والثقافة، إلى شن حملة مسعورة ضد المناضلين الشرفاء واتهامهم بالخيانة، لا لذنب أو جريمة اقترفوها في حق الوطن، سوى أنهم كسروا حاجز الصمت والخوف وقرروا توجيه أصبع الاتهام بشجاعة إلى المؤسسة الملكية مباشرة، وتحميلها المسؤولية كاملة عن ما آلت إليه أوضاع البلاد وأحوال العباد من سوء، بسبب تسلطها، واستبدادها، وفسادها، وتحكمها في كل كبيرة وصغيرة، ولجوئها إلى أسلوب الكذب والتزوير والتحوير والتضليل لتحميل الحكومة الصورية المحكومة مسؤولية كل النتائج الكارثية.

ومثل هذا الأسلوب المخادع لن يرهبنا، ولن يثنينا عن المضي قدما في نهجنا القويم، لدعم شعبنا في هذه المحطة التاريخية الحساسة والمفصلية في معركة الحق ضد الباطل، لإيماننا بأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، والمدافع عنه مجاهد شريف، وأن انتصار الباطل لا يكون بسبب قوة أصحابه، بل بسبب خوف الناس واستسلامهم للظلم وقبولهم بالفساد وعدم مواجهة رؤوسه. ونظرية عفا الله عما سلفلا يمكن الأخذ بها إلا إذا توفر شرط التوبة الذي يعني الاعتراف بالجريمة والاعتذار عنها ورد الحق لأصحابه وتصحيح المسار، وهو ما لم يتم حتى الآن من قبل النظام الفاسد في المغرب.

ومن هذا المنطلق بالتحديد، نعتبر أنفسنا وطنيين شرفاء ومخلصين أكثر من الملك ورهطه وأزلامه وأدواته، لأننا نفرق بين الحاكم الخادم الأجير والشعب السيد الأصيل، فيما هم يختزلون الشعب والوطن والتاريخ والدين والسياسة في شخص الحاكم، ولا يرون في حكمه جورا ولا فسادا، هؤلاء عمى الله بصرهم وبصيرتهم، مثلهم كمثل حمار يحمل أسفارا..

ونتيجة هذا الوضع الشاذ، انقلبت المفاهيم، ورأينا كيف أن المرتزق المجرم تحول إلى ثائر، والتكفيري الذبّاح أصبح مجاهد، والمقاوم أضحى إرهابي، والمعارض السياسي عميل، والمناضل الحقوقي خائن، وهكذاأما الحاكم المستبد الفاسد فأمير متبصر حكيم، يطاع حتى لو كان ظالم فاسق فاسد فاجر..

إن من أخلف عهد الله، وبدّل دينه، وخان الأمانة، وغدر بميثاق شعبه، وحول الوطن إلى مزرعة خاصة والناس إلى خراف مدجّنة، وأسّس لدولة بوليسية تعيث في الأرض فسادا وفي العباد ظلما، تنتهك حرية وحرمة كرامة الإنسان التي هي أقدس ما وهب الله له وفضله بها على الملائكة، هو النظام وليس المناضلين الشرفاء الذين يسعون لتحرير الشعب من الاستبداد والفساد، ليعيش المواطن حرا كريما كما أراده الله أن يكون، يعمّر وطنه لتمتّع بخيراته فيحوّله إلى جنة في الدنيا قبل جنة الآخرة، وهذا هو مشروع المجاهد الكبير عبد الكريم الخطابي الذي سعى رحمه الله ليكون مشروعا كبيرا يشمل المغرب العربي برمته، وجعل شرط نجاحه المقاومة والانتصار في معركة تحرير الأرض والإنسان.

لذلك نقول للكاهن الفيزازي وأمثاله من المرتزقة وتجار الدين، أن الله لم ينزل القرآن ليُستغل كسلاح ضد المناضلين الشرفاء الذين يدافعون عن أمتهم ويسعون للإصلاح، كما أن الله لا ينصر الظالمين ولا يحب الفاسدين، بل ينصر المستضعفين المقاومين للظلم والفساد..

هذا وعد الله، فأنى تؤفكون؟..

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*