من هو الله ذاتا وموضوعا؟.. (الجزء الثالث)

خاص: بانوراما الرأي والتحليل / ياسين شرف

شرط التكليف.. حمل الأمانة

واضح أنه بعد الميثاق الذي عقده الإنسان مع ربه في عالم الذر كما سبق معنا في الجزء الثاني من هذا المبحث، وخرج بموجبه من العدم إلى الوجود حيث رحمة الله الشاملة، قبل الإنسان حمل أمانة الخلافة التي عرضت عليه طوعا لا كرها، لقوله تعالي: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان انه كان ظلوما جهولا) الأحزاب: 72. ولهذا، فمخطأ من يعتقد أنه استقدم إلى هذا العالم من غير اختياره وضدا في إرادته..

ومرد هذا الإنكار يعود إلى خاصية النسيان التي يتميز بها الإنسان، فلا نجد له عزما من دون تذكير كما يخبرنا تعالي. ولهذا السبب بعث الله الأنبياء والمرسلين بالهدى والكتاب المنير، لتذكير الإنسان بأصله، ومعدن خلقه، وميثاقه مع ربه، ومآله، وجعل العلم سلاحه لمساعدته على الهداية وسلوك سبل الرشاد، لمعرفة الأجوبة عن كل الأسئلة الوجودية التي تؤرقه من دواخل نفسه ومن العالم الذي يعيش فيه، باعتبار أن الإنسان هو نسخة مصغرة عن هذا الكون الأكبر بحيث لا توجد مادة فيه إلا وحواها جسم الإنسان، ما يجعل معرفة الرب مقرونة بمعرفة الإنسان لنفسه كما جاء في الحديث الشريف (من عرف نفسه فقد عرف ربه).

وتأكد الأبحاث العلمية اليوم، سواء منها التي تشتغل على الأحياء والموروثات أو تلك التي تهتم بالسيكولوجية التطبيقية والاجتماع التربوي، أن الدين ليس حاجة ثقافية كما كان يعتقد، بل ضرورة حياتية، باعتباره مكونا بيولوجيا أصيلا في خلق الإنسان، وهو ما عبر عنه تعالى بقوله: (صبغة الله وفطرته).

يد الله في الخلـــــــــق

يستند المجسمة في قولهم أن لله يدا يخلق بها إلى الآية الكريمة التي نصها: (قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين) سورة ص: 75. والمعنى الذي تفيده الآية لجهة نسبة خلق آدم إلى يد الله تعالي، لا يقصد به أن لله يد مثل البشر (سبحانه وتعالي عما يصف الجاهلون)، بل هو من باب التشريف بالاختصاص، وكناية عن الاهتمام التام بخلق آدم، و الإبداع في صنعه، والعناية الإلهية الخاصة التي رافقته خلال مختلف مراحل التكوين.. من الخلية الأولي إلى أن اكتمل بنيانه، واشتد عوده، وأصبح جاهزا للتكليف، وحمل أمانة الاستخلاف بعد بث الروح فيه، وهو تعبير قرآني مجازي يؤكد أن خلق الإنسان الأول قبل التكليف لا يختلف في شيء عن خلق الحيوان الذي تم بدوره برعاية خاصة من الله تعالي لقوله: (أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون) يس: 71.

وبذلك، فلا يتصور أن الله سبحانه وتعالى، كان منشغلا بيده أثناء عملية الخلق الطويلة، في صناعة هياكل الكائنات من مادة الطين قبل أن يزرع فيها بذرة الحياة. لأن مثل هذا الكلام لا يستقيم مع مفهوم خلق الإنسان الذي أوضحه تعالي بقوله: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء..) النساء: 1.

هذه الآية تبين بجلاء أن الله خلق ابتداءا الخلية الأولى من طين ووهبها الحياة من نفسالرحمن الأقدس، أي من نوره اللطيف. وأثناء مراحل التكوين الطويلة، انقسمت الخلية إلى ذكر وأنثي كما يؤكد العلم ذلك، ثم تكاثرت عن طريق التزاوج، فتطورت إلي مخلوقات سميت بشرا، وما يؤكد هذه الحقيقة هو قوله تعالي (وقد خلقكم أطوارا) نوح: 14. وهي الآية الوحيدة في القرآن التي جاءت لتأكد أن عملية الخلق لم تتم بعصا سحرية دفعة واحدة كما يعتقد العديد من فقهاء الرسوم استنادا إلى أمر (كن)، لأن معضلة هؤلاء أنهم لا يملكون من العلم إلا القشور ويشرحون القرآن بالظواهر العجيبة والأحداث الغريبة التي تتعارض مع العقل وسنن الله في الكون التي تؤكد أن عملية الخلق تمت عبر أطوار ومراحل عديدة، وصفها الله تعالي بدقة متناهية في قرآنه المجيد.

وبعد اكتمال الخلق الحيواني (البشر) اختار الله منهم الأكمل الذي هو آدم، فنفخ فيه من روحه (أي من نور علمه)، إعدادا له لمهمة الخلافة لقوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني اعلم ما لا تعلمون) البقرة: 30. وقد سبق معنا شرح أهمية العلم الذي به شرف الله الإنسان على الملائكة.

هذه هي الآية الأولي في القرآن التي ورد فيها قرار الله الأول بجعل آدم خليفة له في الأرض. والجعلهنا لا يفيد الخلق، بل الاختيار والانتقاء من بين فصائل البشر التي سبق خلقها، وكانت تعيش كالحيوانات على الأرض تعيث فيها قتلا وفسادا. وحيث أن الأمر كذلك، فبديهي أن يسمي الله سبحانه عبده آدم عليه السلام بـ: “صفيه، أي الكائن الذي اصطفاه واختاره من بين الكائنات البدائية المتطورة، ليجعله إنسانا يستحق حمل أمانة خلافة الله في الأرض، ولذلك فضله على العالمين من بين مختلف فصائل البشر البدائية الأولي، وكرمه على الجن والملائكة، بالرغم من أن الملائكة يسبحون لله ويفعلون ما يأمرون ولا يعصون له أمرا. وهذا هو سبب قولهم لرب العزة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك). إذ أنه يستحيل على الملائكة أن تعلم الغيب فتتنبأ بما سيفعله البشر مستقبلا على الأرض، ما يضحض نظرية خلق الإنسان بعصا سحرية. وهذا، هو ما يجعلنا نعتقد أن سؤالهم الاستفساري لرب العزة، جاء كنتيجة منطقية لمعرفة سابقة بطبيعة البشر الحيوانية وأحوالهم في حياتهم البدائية، وتصرفاتهم الهمجية قبل الانتقاء ونفخ روح التكليف (العلم الأول) في آدم وذريته بعد أن قبل بالله ربا والتزموا بتحمل أمانة الخلافة.

والحقيقة، أن القرآن الكريم في سياق الحديث عن مراحل خلق الإنسان واستوائه ونفخ الروح فيه إعدادا له للخلافة كما سبق القول، يحيلنا على مجموعة من المكونات الأساسية المرتبطة بعملية الخلق والتكوين.. منها ما هو ظاهر كالجسم ومختلف أعضائه المحسوسة التي أعدت من طين، ومنها ما هو باطن تدرك طبيعته من غير أن تعرف حقيقته كالنفس والروح والعقل مثلا.. والقرآن باعتباره خطابا للعموم، لا يتناول مثل هذه الحقائق الدقيقة والمعقدة إلا من باب الرمز والإشارة بدل صحيح العبارة التي لا تستطيع التعبير عن الحقائق العلمية الرياضية والفيزيائية المعقدة التي تحتاج للغة الرموز الرياضية. والذي يلتقط مثل هذه الإشارات البديعة ويقارنها بما وصل إليه العلم من اكتشافات يدرك عظمة الله ويذوق حلاوة كلامه فيسعد به، حينها، وحينها فقط يعرف الانسان من هو الله، لكنه يتمنع من البوح بهذا السر العظيم لعجز اللغة عن التعبير عنه من جهة، ولصعوبة أن تستوعب مثل هذه المعارف السامية، عقول العامة التي لا تفقه أبعد مما تدركه الحواس، يقول الله تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) الزمر: 9.

معرفة الله عند الفلاسفة بين العقل والقلب

الفلاسفة من حيث أنهم فلاسفة يبنون مقولاتهم على أساس من برهان، فلا يقبلون ما لا يقاس بالاستقراء العقلي ولا يدرك بالاستدلال المنطقي. لكنهم عند الحديث عن الله يتحولون إما مؤمنين يؤمنون بالله إيمان تسليم، أو إلى ملحدين منكرين ومكابرين. وعموما، يمكن الحديث عن موضوع الله في الفلسفة من منطلق الوجود والمعرفة. أي بتقسيم المقولات الفلسفية إلأى مرحلتين أساسيتين:

المرحلة القديمة: وتعرف بالمرحلة الكلاسيكية، حيث كان اهتمام الفلسفة المركزي ينصب على الماورائيات أو الميتافيزيقا” (الفلسفة الإغريقية واليونانية والإسلامية) والتي تأكد أن لا وجود لشيئ ما وراء الطبيعة إلا غباء الإنسان.

المرحلة الحديثة: وتبدأ – نظريا مع منهج الشك الذي أخذه الفيلسوف ديكارت الذي عاش في القرن السابع عشر ( 1596 – 1650) في أوروبا المسيحية من العالم المسلم أبو حامد الغزالي (توفي في العام 1059) من دون أن يذكر اسمه، والذي يعتبر أول من وضع هذا المنهج قبل ديكارت بستة قرون.

فالغزالي الذي عاش في العالم الإسلامي في القرن الحادي عشر يرجع له الفضل الحقيقي في وضع أول منهج معرفي علمي يقوم على الشك كطريق لمعرفة الحقيقة. ويتطابق منهج ديكارت مع منهج الغزالي بشكل دقيق يثير الكثير من التساؤل حول المصدر الذي استند إليه الفيلسوف الفرنسي في وضع منهجه العقلي، والذي اعتبر بإجماع الفلاسفة والمفكرين الغربيين بمثابة بداية جديدة لعهد جديد، نقل الفلسفة من اهتمامها بمجال الوجود الذي لا يدرك (الميتافيزيقا)، إلى الاشتغال على حقول المعرفة الإنسانية المكشوفة.

وأوجه الاشتراك بين المنهجين تكمن في العناصر الخمس التالية: 1. الشك المنهجي – 2. التحرر من التقليد – 3. وضع القواعد المنهجية للبحث4. تحديد وسائل البحث5. التأمل والاستنتاج.. ومن ثم الوصول إلى الحقيقة المنشودة.

لقد استعمل كل من أبي حامد الغزالي وديكارت من بعده، نفس الخطوات العلمية في بناء منهجهما الشكي. غير أن المنطلقات الذاتية والموضوعية لدي كل واحد كانت مختلفة، بل ومتناقضة. وحيث أن النتائج ترتبط بالمقدمات وتتأثر بالمنطلقات، فطبيعي والحال هذه، أن تكون نتائج بحث كل منهما مختلفة الواحدة عن الأخرى جملة وتفصيلا..

فالغزالي كمسلم، انطلق من إيمانه الراسخ بوجود الله من هدي القرآن والسنة، فجاءت جميع خطواته نابعة من هذا الإيمان. وشك الغزالي كان بكل ما هو موجود من أجل الوصول إلى الحقيقة، أي الوصول إلى معرفة الله التي هي غاية المؤمن، والتي لا تعني الاتحاد بالمفهوم الفلسفي ولا الحلول بالمفهوم الكنسي، إنما تعني تجلي الله في مخلوقاته، وتمكينهم من صفاته الفاعلة في الوجود لينوبوا عنه ويقوموا مقامه وفق مقتضيات الخلافة وأمانة التكليف. وبالنسبة للغزالي كما غيره من الفلاسفة الصوفية، لا موجود في هذا الوجود إلا الله الواجب الوجود من دون شرط شيء، فلا شيء يوجد قبله أو بعده ولا من خارجه أو معه لقوله تعالى (هو الأول والآخر والظاهر والباطن)..

وحيث أن الأمر كذلك، فلا يمكن أن يتحد به أو أن يحل هو في من لا وجود له أصلا، ما دام الوجود برمته من عرشه إلى فرشه هو مجرد تجلي للأعيان الثابتة في علم الله العلي العظيم. لذا، أفضى الغزالي صوفيا موازنا بين العقل والقلب، العقل باعتباره أداة ضرورية من أدوات الشرع، والقلب باعتباره مصدرا للمعرفة الروحية الإشراقية التي لا تدركها الحواس ولا تحيط بها آليات العقل. والحقيقة عنده تعتبر يقينية قطعية لا تقبل الشك، وتتجلى في وجود الله دون سواه، وقدرته المطلقة على الفعل وفق مشيئته (وما تشاءون إلا أن يشاء الله). والبحث خارج هذه الدائرة الوجودية التي مركزها النقطة (أي الله)، يعتبر كفرا أو بدعة كما أكد على ذلك في مؤلفه تهافت الفلاسفة“.

والغزالي كابن عربي، والسهروردي، وابن سبعين، والتلمساني، وغيرهم من العلماء المسلمين الفلاسفة والمتصوفة الذين أنزلوا التصوف من مرتبة التجربة الروحية إلى مرتبة النظر العقلي، يؤمن بالجبر بمفهومه الغليظ، ولا يترك للإنسان حرية للاختيار، وفق ما يتبين من مقولاته عن الأفعال التي سنأتي على ذكرها في سياق هذا المبحث..

وبهذا المعني، لا يقلل الغزالي من شأن العقلكما ذهب إلى ذلك منتقدوه، واتهموه بأنه عطل العقل ووأد الفلسفة بعد انتصاره على ابن رشد في مجال الإلهيات من خلال معالجته للمسائل العشرين في كتابه: “تهافت الفلاسفة “. بل يؤمن الغزالي بأهمية العقل وجدواه، لكن في الحدود التي خلق من أجلها، أي في مجال الشرع وأمور الدنيا.. في حين أن معرفة الحقيقة تكمن في مساحات اللامحدود وآفاق المطلق التي تفوق طاقة العقل ومجاله، ولا تدرك إلا بالمجاهدة النفسية عن طريق الفيض والكشف القلبي، تماما كما حدث مع إبراهيم الخليل عليه السلام الذي جاهد في معرفة الله فلم يدركه بالعقل، فساعده الله بأن كشف له أسرار ملكوت السماوات بالفيض القلبي، فرأى من الأسرار ما لم يراه إنسان غيره في الوجود وفق تأكيد ابن رشد.

أما ديكارت، فقد انطلق من إيمانه من مسلمة الـ أنا المفكر، الذي يجد جذوره الإبستمولوجية في الفكر اليوناني القديم، كما يؤكد ذلك د. محمد عابد الجابري من خلال محاضرة ألقاها في معهد العالم العربي حول القيمة الإبستمولوجية لفهم العقل الغربي المبني على الأنا، التي لا تتحقق إلا من خلال فكرة الآخرالذي يتم اختياره وتشكيله وفق صورة نمطية ليلعب دور تحديد وترسيخ بنية الذات“. لذا جاءت جميع خطوات ديكارت من الشك إلى الحقيقة تأكيدا لهذا الأنا المفكرالذي اعتبره مركز الدائرة ومنطلق الوجود. فقد شك ديكارت بكل ما هو موجود من خارج هذا الأنا المفكرالمتناهي.

وعليه، فلا يمكن لهذا الأنا المفكرالمتناهي أن يدرك بصورة يقينية الله اللامتناهي كما يعترف بذلك ديكارت نفسه. ويستشرف من مقولاته انه آمن بوجود الله، وحاول البرهنة على ذلك.. إلا أنه كُلما اعتقد أنه تملك الحقيقة اليقينية، إلا وداعبه الشك من جديد، وحرضه على التشكيك فيما أصبح يعتقد أنه حقيقة نهائية وصل إليها عن طريق الاستدلال العقلي والبرهان المنطقي الموضوعي. وبذلك، يمكن القول أن منهج ديكارت تحول إلى نوع من العبث الذي وصل حد الشك في كل شيء بما في ذلك الشك في الشك نفسه. ومرد ذلك أن منهج ديكارت، وبخلاف منهج الغزالي، منهج فلسفي يطرح الأسئلة، ثم يعاود طرح الأسئلة إلى ما لا نهاية، من دون أن يحصل علي أجوبة يقينية. لأن اليقين في مجال الإلهيات، لا يحصل من منطلق الذات بالبرهان العقلي، بل بالإيمان القلبي فقط، لأن القلب هو بيت العرفان و عرش الرحمن.

مفهوم الله في الفلسفة القديمة والحديثة:

أمضى سقراط حياته يبحث عن الله فلم يعثر عليه بعقله، لكنه أدرك بنوع من الاعتقاد الإيماني الخفي، أن وراء هذا الوجود كائن سماه ب الحق المطلق، الذي يغمر الوجود بنوره، دون أن تستطيع العين رؤية مصدر هذا النور.. لم يعرف سقراط ما الكتاب ولا القرآن، ولكنه أدرك بنور القلب، أن الله هو نور السماوات والأرض، ومصدر كل الأنوار، التي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، حسب المعاني التي تستفاد من مقولاته. ومن أشهر أقواله في الإلهيات: أن النفس تحكم الجسد كما يحكم العقل الإلهي العالم“. وهذا الكلام لا يعني أن سقراط كان موحدا، بل كان مشركا يعتقد بتعدد الآلهة، لكنه يقول بوجود اله كبير فوقها.. فقد زعم بالنسبة لخلق الكون، أن ثمة صانعاً ومدبرا فوق سائر الآلهة، وأن الآلهة الأخرى هي مجرد أدوات مخلوقة يستعين بها الله الأكبر في صنع الوجود (موسوعة الفلسفة ج: 1 – ص: 579)، وهو ما يتساوق من ناحية البنية الوظيفية، مع مفهوم الأسماء والصفات الحسنى، الفاعلة في الكون وفق التصور الصوفي الذي يجعل الصفات في مستوى أدنى، باعتبارها وسيطا برزخيا بين الله والعالم.

أما أرسطو، فقال: إن الله سبق العالم كما تسبق المقدمة النتيجة“. وهو يزعم أن الصورة والمادة قديمتان أزليتان ليستا مخلوقتين، وهما متحركتان في الأزل موجودتان مع المحرك الأول الذي هو الله وفق قوله. ويقول أن المحرك الأول من غير أن يتحرك حرك الصورة والمادة فاجتمعتا فتكونت الأجسام من اجتماعهما. وهو يرى أن الله هو سبب نظام الأشياء الموجودة وترتيبها فقط، وأنه لا يتدخل في الأحداث الجزئية ولا يعتني بشيء في الوجود باستثناء ذاته (موسوعة الفلسفة – ج: 1 – ص: 106). لكن أرسطو لم يستطع إدراك أن ذات الله هي الوجود كله وأن اهتمامه بذاته هو اهتمام بالوجود اللامتناهي كما يؤكد الصوفية، وأنه لا يحتاج للتدخل في إدارة كل الأشياء الكبيرة والبسيطة بعد أن وضع قوانين دقيقة سماها سنن تنظم عمل الكون والخلق.

ويري أفلاطون:أن العالم آية في الجمال والنظام، ولا يمكن أبداً أن يكون هذا نتيجة علل اتفاقية (صدفة). بل هو صنع عاقل كامل رتب كل شيء عن قصد وحكمة“. فيزعم أن الله هو علة وجود العالم وسببه، ويزعم أن صور الأشياء التي يسميها المُثلأزلية (المعجم الفلسفي – ص:303)، كما يعزى إليه أن المادة أزلية أيضاً (المعجم الفلسفي – ص:297)، وهي في حركة دائمة، وأن الصانع أوجد: أولاً النفس الكلية مما يسميه المتشابه واللامتشابه، فصنعها شبيهة له، فهي ذات طبيعة إلهية، ومن النفس الكلية صنع العناصر الأربعة (الماء والهواء والنار والتراب). وأنه صنع من ذلك الكواكب، وجعل لها نفوساً خلقها مما بقي من خلق النفس الكلية، وجعلها آلهةعاقلة خالدة واتخذ منها أعواناً تصنع نفوس الخلق الآخرين. وبخلاف أرسطو يعتقد أفلاطون أن الله باعتباره الصانع فهو يعتني بسائر مصنوعاته كلياتها وجزئياتها (موسوعة الفلسفة – ج: 1 – ص: 168 وما بعدها).

هذا فيما يعتقد أفلوطين المصري: أن هناك عالمين، العالم الأول: عالم المعقول، وهو ثلاثة: (الله والعقل والنفس). فالله عنده هو الأول، وقد صدر عنه العقل وهو شبيه به. والعقل: هو الحامل للصور وهو أبدي لا يفنى. والنفس: صدرت عن العقل وهي شبيهة به، وهي حاملة للصور بشكل أكبر من العقل. أما العالم الثاني: فهو عالم المحسوسات، وقد صدر عن النفس الكلية، فهي التي صنعته وأوجدته، كما أنها هي التي أمدته بالنفوس التي تبث الحياة فيه، وعنده أن الله لا يعتني إلا بالأشياء الكلية، أما الأمور الجزئية والفردية فلا يعتني بها ولا يعلمها، وهو القول الذي تأثر به المعتزلة في معالجتهم لمسألة الأسماء والصفات (موسوعة الفلسفة – ج: 1 – ص: 197 و 204 إلى 207).

أما أكزنوفنس، فوصل إلى خلاصة تتساوق مع اعتقاد التوحيد ومفادها: أنه لا يوجد في هذا الكون غير إله واحد و هو أرفع الموجودات، ليس مركباً على هيئتنا و لا يفكر مثل تفكيرنا، بل كله بصر، و كله سمع، و كله فكر، و إن إدراك كنه الإله الواحد العظيم مستحيل“.

ويؤكد الفيلسوف والعالم الرياضي فيثاغورث:أن الماء و الهواء و كل مادة مهما كانت لا تصلح لأن تصبح أصلاً لهذا العالم المركب من أشياء متباينة مادية وغير مادية، فلا بد لنا أن نبحث عن شيء له صفة عامة تشمل كل شيء من الماديات و غيرها، وما من صفة تشمل العالم بما فيه من المادة وغير مادة إلا صفة العدد، فالعدد إذن هو الصفة الوحيدة المشتركة التي يتصف بها كل ما في الكون، وهو وحده الذي يصلح أن يكون أصلا له، والأعداد عبارة عن تكرار الواحد، فالواحد إذن هو أصل الكون و علته و حقيقته“. وهذا القول يتوافق بشكل تام مع ما ورد في القرآن الكريم حول مفهوم الواحد الثابت في كل عدد لقوله تعالى: (ما من اثنان إلا وهو ثالثهما، وما من ثلاثة إلا وهو رابعهما) وقوله: (هو معكم أينما كنتم)، ويكاد يلامس نظرية كل شيءانطلاقا من القاعدة الرياضية العددية المتمثلة في الرقم الأساس:( 1). وقد أخد الصوفية بهذا المنطق الرياضي البسيط في تفسير نظرية الواحد الكثير والكثير الواحد” قبل ظهور نظرية “كل شيئ” الفيزيائية.

ويجزم بيركلي: بأن الانسجام الوظائفي في الكون، يرجع الفضل فيه إلى الله. وهو نفس القول الذي قال به العالم ألفريد أينشتاين.

ويقول كريسي موريسن: أن أسباب الإيمان بالحقيقة الإلهية يعرفها العلماء، وتأبى عليهم عقولهم أن يردوها إلى المصادفة. وهو ما يؤكده قوله تعالي: (إنما يخشي الله من عباده العلماء).

أما كانت فيقول:ينبئني ضميري بوجود إلهٍ للعالم“. والمفارقة أن هذا الفيلسوف العقلاني، يتحدث هنا عن الضمير لا العقل.

ويشير نيوتن: إلى أن النظام الذي يتجلى في الكون يدل على وجود إلهٍ له. وهذا المنطق يتطابق مع المنطق الفطري البسيط، القائل بأن السير يدل على المسير والأثر يدل على البعير، وهو نفس قول بيركلي بمفردات أخري، ويتساوق هذا القول مع اعتقاد الصوفية الذي يقول بأن النقش يدل على النقاش.

هذا فيما يعترف ألبرت أينشتاين صاحب نظرية النسبية التي غيرت مجرى العلوم بالقول:يشمل ديني على الإعجاب المتواضع بتلك الروح العليا غير المحدودة التي تكشف في سرها عن بعض التفصيلات القليلة التي تستطيع عقولنا المتواضعة إدراكها. وهذا الإيمان القلبي العميق، والاعتقاد بوجود قوة حكيمة عليا، نستطيع إدراكها خلال ذلك الكون الغامض، الذي يلهمني فكرتي عن الإله“. وقال أيضا: “لا يمكنني أن أعتقد أن الخالق يلعب النرد بالدنيا“. وهو عكس القول الذي ذهب إليه دانتمن خلال مؤلفه الكوميديا الإلهيةالتي يقال أنه استمد فكرتها الجوهرية من قصة جابر ابن حيان التوحيدي وبعض مقولات ابن عربي.. وبذلك يتحول أينشتاين من عالم فيزيائي إلى مؤمن صوفي، يبحث عن الحقيقة بنور القلب لا بحجة العقل.

ويكشف سبنسر: عن أن المجهول، “هو تلك القوة التي لا تخضع لشيء في العقول، لكنها مبدأ كل معقول، وهي المنبع الذي يفيض عنه كل شيء في الوجود”. والفيض مصطلح فلسفي قديم استعمله الصوفية بكثرة للدلالة على النور الإلهي الذي يقذف الحقائق في القلب، ولا يدرك بالعقل.

ويلاحظ داروين صاحب نظرية الرقي والتطور : أن الأنواع تفرعت كلها من جرثومة الحياة الأولى التي أنشأها الخالق. وبرغم الانتقادات الشديدة التي تعرض لها بسبب هذه النظرية سواء من الكنيسة أو الإسلامويين، إلا أن مقولته حول أصل الأنواع تتطابق بشكل دقيق مع قوله تعالى: (وخلقناكم من نفس واحدة) وقوله: (وخلقناكم أطوارا).

وعلى عكس زينون الايلي الذي قام ببناء نظريته على مقولة أن كل تأكيد هو نفي، جاء اسبينوزا في العصر الحديث ليؤكد العكس، أي أن كل نفي هو تأكيدوهو نفس المبدأ الذي اقتنع به سارتر في آخر أيامه من خلال مقولته الشهيرة: “نفي الموجود موجود” ، بمعني أنه إثبات لوجوده باعتبار أن الغير موجود لا يكون بحاجة إلى نفي أو إثبات، وبالتالي فبمجرد قولك (الله) سواء أتبثه أم نفيته فأنت تعترف بوجود شيئ أسمه الله من حيث تدري أو لا تدري، وإلا ما معنى قولك الله؟.. ويلاحظ أن شهادة الإسلام نفسها (لا اله إلا الله) هي مصداق لقول اسبينوزا، من حيث أنها تجسد النفي الذي يمهد للإثبات والتأكيد. واسبينوزا فيلسوف يهودي هولندي، تأثر بفكر ميمونيد الأندلسي ومقولات ابن عربي، خاصة لجهة القول بوحدة الوجود. ولقد جاءت أفكاره مطابقة تماما لما قاله الصوفية في هذا الباب. فبالنسبة له، ما في الوجود إلا الله، لأن الله هو الوجود الحق، ولا وجود معه يماثله، لأنه لا يصح أن يكون ثم وجودان مختلفان متماثلان، لأن قوانين الطبيعة وأوامر الله الخالدة شيء واحد بعينه، وإن كل الأشياء تنشأ من طبيعة الله الخالدة. كما أن الله هو القانون الذي تسير وفقه ظواهر الوجود جميعاً بغير استثناء أو شذوذ، وللطبيعة عالماً واحداً هو الطبيعة والله في آن واحد، وليس في هذا العالم مكان لما فوق الطبيعة، وليس هناك فرق بين العقل كما يمثله الله وبين المادة كما تمثلها الطبيعة.. فهما شيء واحد.

أما هيغل: فلم يعمل إلا على جمع محصلة أفكار بارمينيد و زينون و اسبينوزا، ليؤسس للجدلية أو الديالكتيك، كما يقول د. محمد عابد الجابري في القيمة الإبستمولوجية لفهم العقل الغربي، ملخصا فكرته كما يلي: “كل تأكيد أو إثبات هو نفي، وكل نفي هو إثبات“. ومن هنا أهمية النفي ليس عند هيغل خاصة، بل في داخل الفكر الفلسفي الأوروبي عموما، حيث يمر الإثبات والتأكيد دائما عن طريق النفي. وإذا كانت الأناالغربية لا تتعرف على نفسها إلا من خلال مرآة الآخرالمختلف، فان الأناالشرقية لا تجد نفسها إلا في فكرة الله، وتمر عبر نفي ما سواه لتأكيد وجوده، وهيمنته وتدبيره من دون شريك في الملك أو الحكم، وهذا هو معني لا اله إلا اللهالتي هي إثبات وتأكيد لوجود الله عقب نفي لما سواه.

وتذهب الفلسفة الحديثة في تصور اللهمذهب التنزيه عن التجسيد، وتمثله باعتباره فكرة ورمز أكثر منه ذاتا أو صورة. بل يزعم د. عبد الكريم الخطيب، أن الفلسفة الحديثة تخلت عن العقل في مجال الإلهيات واستنجدت بالتصوف في فهم ماهية الله، فيقول في هذا الصدد: “وقد أجرت هذه الفلسفة العقل إلى أبعد غاياته، فلم يدرك من ذات الله شيئا، وإنما وقف أمام مذهلات من إحكام الصنع، ودقة التعبير، في كل ذرة من ذرات الوجود.. وإذ عجز العقل عن إدراك التفسير المادي، وعن الرؤية الكاشفة لهذه القوة العاملة في تدبير الوجود وتنظيمه – فقد ترك الفلاسفة عقولهم هنا، وأخذوا يبحثون عن قوى أخري كامنة في كيانهم.. أخذوا يستدعون أحلام اليقظة، ومشاعر التصوف، فبدت لهم تصورات عن ذات الله أشبه بهذه الرؤى التي يراها أصحاب التصوف” (الله ذاتا وموضوعا – ص:341 – 342).

أما كارل يسبرس: الفيلسوف الوجودي الذي يتحدث عن اللهلا كفيلسوف، بل كناسك صوفي، في الوقت الذي ترفض الوجودية من حيث المبدأ كل ما هو وراء الحس، بما في ذالك الإحساس الذاتي.. يقول يسبرس: “الطريق إلى الله طريق شخصي، يبلغها الإنسان بالكفاح والمجاهدة في سبيل الوصول إليها، ولا يتلقاها كما يتلقى الهواء والنور“. وحول معرفة حقيقة الوجود يقول: “لا يمكن الاهتداء إلى الوجود الأصيل إلا من ضمن الآنية، أي الاستغراق في الوجود، بمعني أن الذات إذا انسلخت عن العالم صارت ضبابا في ضباب“. وعلى منوال طريقة الصوفية في معرفة الحقيقة بواسطة الرمز والإشارة، يؤكد يسبرس أن: “وجود المتعالي (أي الله)، تشعر به في ذاتك من خلال الإشارات، والإشارات لا تكون إلا في الآنية، والإشارات لا تقوم بما تخلعه أنت على الأشياء، وتفسره على هواك.. لأن المتعالي هو واضع الكتاب، وهو يخاطبك بلسانه، فعليك الترجمة لفهم ما يقول (يقصد تأويل الرموز والإشارات لفهم  جواهر المعاني). والإشارة بمظهرها الخارجي حقيقة تجريبية، أي موضوعية، والمتعالي الذي نلمحه من خلال الإشارة يبدو لنا من خلال موضوع، بدون أن يكون فيه شيء من الموضوعية.. كالصوت الذي يمر في الهاتف أو المذياع، وليس فيه منهما شيءويقصد بالإشارة ما عرّفه العالم الراغب بـ”الوميض”.

أما برجسون العالم والفيلسوف الأمريكي المادي، فيترك نظرياته جانبا عند الحديث عن المتعالي، ويستند إلى فرضية تقوم على توافق الصوفية حول النظرة إلى الله والطريقة المثلى للتواصل معه، فيقول: “لو أننا ضربنا صفحا عن مادة التصوف، واجتزأنا بالنظر إلى صورته لألفينا توافقا بين رؤى الصوفية على اختلاف مذاهبهم وتعدد نظرياتهم“. ويضيف متسائلا عن سر هذا التوافق العجيب: “ولكن بماذا نعلل وجود هذا التوافق، وكيف نفسر اتحاد الصوفية فيما أدلوا به من شهادات، وانسجامهم فيما ذهبوا إليه من حركات؟“. ويجيب برجسون على هذا التساؤل المشروع بالقول: “أليس الفرض الوحيد الذي يمكن أن يقنع به الباحث هنا، إنما هو ذلك الفرض البسيط الذي يسلم بوجود ذلك الكائن الأسمى الذي يعتقد الصوفية أنهم على اتصال مباشر به؟.. أعني ذلك الإله الحي الذي هو مصدر المحبة الفائقة التي يقرر الصوفية أنهم يشعرون بها ويصدرون عنها، ويستمدون قوتهم الحافزة منها“.

وهذا فيلسوف أمريكي آخر هو وليام جيمس، يلبس خرقة التصوف للحديث عن الله، بالرغم من أنه فيلسوف براغماتي لا يؤمن بالخير والشر إلا باعتبارهما من الآثار الناجمة عن الخطأ والصواب. يقول جيمس: “انه يبدو لي – وتلك نتيجتي النهائية – أن العالم الخلقي المستقر المنتظم الذي يبحث عنه الفيلسوف، لا يمكن أن يوجد كاملا إلا حيث توجد قوة مقدسة، ذات مطالب عامة شاملة.. فإذا وجدت هذه القوة، فان منهجها في إخضاع أحد المثل للآخر سيكون المنهج الصحيح لتقدير القيم.. لذلك، ينبغي علينا كفلاسفة، ومن أجل تحقيق غاياتنا في إيجاد نطاق خلقي واحد، أن نفترض وجود الله“.

وهذا الافتراض وفق جيمس، أي افتراض وجود الله وإضافة صفة القداسة إليه، يجعله يؤمن بوجود عالم المثل والعدل والحب الإلهي الذي يؤثر علي سلوك الإنسان في كل مناحي حياته الخاصة والعامة. يقول جيمس: “إن إضافة صفة القداسة لله الذي أفترض وجوده، تجعلني أعتقد أن الله لا يريد إلا الخير.. ولإضافة العلم الكامل لله أثر على سلوكي، لأنها تجعلني أعتقد أنه يمكنه رؤية أفعالي في الظلام، وتصور العدل الإلهي يؤثر على سلوكي، حيث أن عقابي أمر محتم حين يري مني عصيانا، وحب الله العباد يحملني على الاعتقاد بأنه ميال للغفران وقبول التوبة.. وهكذا…“.

غير أن جيمس بقوله هذا لا ينطلق من مسلمة الإيمان القلبي الراسخ بالله، بل من مسلمة عقلية، براغماتية، نفعية، وانتهازية، يلخصها د. عبد الكريم الخطيب كالتالي: “ماذا يضيرنا إذا نحن افترضنا وجود الله، وحققنا من هذا الفرض كل تلك المكاسب الإيجابية؟ إنها صفقة رابحة لا شك“. (الله ذاتا وموضوعا – عبد الكريم الخطيب – ص: 346).

فيما يتخذ الفيلسوف الأمريكي رويس، المقاييس المادية كمعيار يقيس به حقيقة الذاتالإلهية، مع انطلاقه من نظرة صوفية بحته في تعريف الله، فيقول: “إن العالم هو الجسد الكبير الذي يعبر الله عن نفسه فيه“. ويشرح فكرته هذه بالقول: “ولكننا مهما دققنا النظر فيما نرى، فلن نرى إلا التعبير الظاهر من حركة ومادة.. لأن الطرف الباطن، هو مستحيل على المشاهدين من خارج“. وهذا الكلام مفاده، أن الروح سارية في كل الأجسام بما فيها التي تبدو جامدة لعدم استطاعتنا رؤية الحركة الدقيقة الكامنة بداخلها. وإذا كنت تستطيع أن ترى هذه الروح اللطيفة المسببة لهذه الحركة اللامرئية، فانك تستطيع أن ترى الله وهذا مستحيل.. وما دمت لا تستطيع أن تري الروح ولن تراها مهما حاولت، فانك لن تري الله أبدا.

ويلخص هذا الفيلسوف العقلاني نظريته الصوفية العرفانية بطريقة علمية هندسية كالتالي: “إننا نقيس الوجود كله على وجودنا.. نرى إنسانا يتحرك فنستدل على أن ورائه روحا تحركه، قياسا على روحنا التي تحرك أجسادنا.. ثم نستدل على وجود روح في الحيوان بنفس هذا الاستدلال.. ولكن على صورة أقل وضوحا مما هي عندنافإذا وصلنا إلى النبات – الذي يتحرك في نموه – لم نر له روحا، لأن سلوكه لا يجري مع سلوكنا. ومع هذا، فان كثيرا من الناس – من ذوي البصيرة النافذة – ينفذون إلى أعمق من الظاهر، فيقولون بوجود روح فيهوإذا انتقلنا إلى عالم الجماد، وجدنا اتفاقا تاما على وجود روح فيه، لأننا نري فروقا شاسعة بيننا وبين قطعة الحجر أو الحديد مثلا.. فننكر أن يكون له روح“.

ولقد أكد العلم هذه القضية، بعد أن تبث بالملموس، أن كل موجود في الوجود إلا وفيه روح تحركه، بما في ذلك الحجر الذي ينبض بالإشعاع النووي (Radioactivité) من دون أن نستطيع رؤيته. ويرجع رويس أصل المشكلة في إدراك الفرق بيننا وبين بقية العوالم التي تبدو ظاهريا مختلفة عنا إلى البعد الرابع، أي السرعة، أو بتعبير النظرية الفيزيائية القديمة البعد الزمني، فيقول: “ولكنألا يجوز أن يكون الفرق بيننا وبين عالم الجماد أو النبات مثلا، راجعا إلى اختلاف في سرعة التتابع الزمني أو بطئه.. بحيث نقول عن الشيء: انه يشبهنا في سلوكه الحركي، إذا رأينا في تتابع حركته تتابعا زمنيا يقرب من سلوكنا، كما نقول عن الشيء انه لا يشبهنا حين يسرع في ذلك التتابع أو يبطئ؟ألا يكون سلوك الإنسان عادة من عاداته مثلا.. شبيها بدورة الأرض حول نفسها مرة كل يوم؟ أو كل عام مرة حول الشمس؟لكننا إذا رأينا بطء الحركة في أداء الطبيعة بالقياس إلى سرعتها في أداء الإنسان لعاداته، تعذر علينا أن ندرك النسبة بين الإنسان في سلوكه والأرض في سلوكها“.” (حياة الفكر في العالم الجديد – ص: 131).

ويتطابق هذا القول مع الخلاصة التي وصل إليها أينشتاين في آخر أيامه، والتي مفادها أن هناك وحدة بين القوانين التي تحرك الكواكب والأجرام الكبيرة كما الخلايا الدقيقة مع اختلاف في السرعة، وتدل على أن الخالق واحد. ونظرة رويس هذه إلى الوجود، لا تختلف في شيء عن النظرة الصوفية القائلة بوحدة الوجود من خلال الواحد الكثير والكثير الواحد.. فالوجود كما يراه رويس: “هو جسد كبير يعبّر الله فيه عن نفسه“.

وإلى جزء جديد بحول الله…

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*