من هو الله ذاتا وموضوعا؟.. الكشف عن سر الأسرار (6)

خاص: بانوراما الرأي والتحليل / ياسين شرف

(الجزء السادس)

—————

بعد أن تناولنا المحاولات التي قام بها الفلاسفة قديما وحديثا بمن فيهم الفلاسفة المسلمين لتفكيك سر الأسرار والكشف عن ماهية الله ذاتا وموضوعا دون أن ينجحوا في ذلك، بسبب عدم قدرة العقل الذي يستند في اشتغاله على الحواس ومخزون الذاكرة وأدوات القياس لمعرفة الحقيقة التي تظل عصية على الإدراك لأنها من مجال الباطن لا الظاهر، سنحاول في هذا الجزء تفكيك اللغز الخفي الذي يحجب عنا ماهية الله انطلاقا مما يقول هو عن نفسه من خلال خطابه.

منهجية البحث

سننطلق في سعينا هذا من ذات المنهجية التي حددها تعالى في قرآنه، وذلك من خلال قاعدتين أساسية:

الأولى: وجوب تأويل النص انطلاقا من المحكم لفهم المتشابه بدل العكس كما فعل فقهاء الظاهر فسقطوا في التجسيم وتقولوا على الله ما لا يجوز في حقه، وذلك لقوله تعالى: (هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) آل عمران: 7. وما يؤكد متانة هذه القاعدة الذهبية في التدرج من العام إلى الخاص آية أخرى قال فيها تعالى: (ألر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) هود: 1. ما يعني أن الخطاب الإلهي يحتوي على أصول الحقائق وفروع المعارف التي تعود في مجملها إلى الأصل الذي صدرت عنه، وبالتالي، ففهمها الفهم الصحيح يقتضي ابتداء معرفة من هو الله، لأنه المرجع الوحيد الذي يجب الرجوع إليه دون سواه في جميع تفاصيل المعاني القرآنية على ما بها من تفصيل وتركيب وفق منهجية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يفسر القرآن بالقرآن من دون الاعتماد على غيره من النصوص والمرويات.

الثانية: وجوب الانطلاق من مقدمة سليمة للوصول إلى نتيجة صحيحة عبر المرور من الظاهر لولوج الباطن من خلال آليات التأويل لقوله تعالى (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) الحديد: 3. وذلك لرفع التناقض الذي يثار بين ظاهر الآيات وبعض الأفكار الخاطئة التي تكونت لدى الناس عن ماهية الله تعالى من منطلق تفاسير الفقهاء المستمدة من تراث التجسيد كما وضعه اليهود قديما استنادا لحديث منسوب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يزعم أنه قال: (خذوا عن بني إسرائيل ولا حرج). وليس غريبا أن يتشابه موقف المجسمة من أهل النقل مع موقف بنو إسرائيل الذين كانوا أول من جسد فكرة الإله، وطلبوا رؤيته ذاتا مرئية للعيان. ويذكر ول ديورانتفي كتابه (قصة الحضارة: 2/240) ما مفاده: “لم يكن للأمم القديمة اله آدمي في كل شيء كاله اليهود“.

أما التأويلالذي هو بخلاف التفسيرالذي يعنى بشرح المعنى اللغوي الذي يعطيه ظاهر العبارة، فالمقصود به هو إرجاع الشيئ إلى أوّلهلمعرفة مصدره وعنوانه الأصلي الذي يندرج تحتحه. وهو من المصطلحات المختلف عليها في علوم الدين عند المسلمين، ففي الوقت الذي يرفض أهل النقل اعتماده ويتقيدون بالمعنى الحرفي الذي تعطيه العبارة القرآنية، يرى أهل العقل أن لا مناص من اعتماد آليات التأويل لفهم المراد الحقيقي من كلام الله، لأنه السبيل الوحيد لفهمه على الوجه الصحيح، وذلك انطلاقا من حقيقة تقول، أن دلالة خطاب المتكلم لها ظهور محسوس في عالم الواقع سواء في المعاش أو عند المعاد، أي أن الخطاب يمثل الظاهر في ما الواقع يمثل الباطن، والتأويل هو الأداة اللغوية المتاحة لمعرفة مراد المتكلم على الوجه الصحيح عبر المرور من الظاهر إلى الباطن، ومصداق ما يتوصل إليه الباحث من دلالة يكون له مدلول يؤكده أو ينفيه الواقع في التجربة الأرضية، لأن الخطاب القرآني هو كتاب مسطور في رق منشور، وبالتالي ما حواه هذا الكون المسطور أوجده الله مدونا في رق منشور.

ومرد ذلك، أن الآيات المحكمات لا تحتمل وجود التشابه الذي سقط في فخه ما يسمى بـعلم التفسير، بحيث قسّم الله تعالى كتابه إلى قسمي المحكم الذي هو الأصل المستمد من أم الكتاب حيث يوجد جوهر المعنى الذي لا يقبل التشبيه، والمتشابه الذي تتولد منه معاني يؤدي اتباع ما تعطيه من فهم ظاهر إلى سوء فهم يؤثر على عقيدة الناس وممارساتهم كما حدث في التراث اليهودي والمسيحي والإسلامي أيضا.

وبالتالي، فمن انطلق من المحكم في تأويله للمتشابه أي رد المتشابه إلى أصله الأول فسيصل إلى نتيجة صحيحة وفهم سليم، والعكس يؤدي إلى الاختلاف الذي يؤدي بدوره إلى الخلاف، وهذا هو مصدر الفتنة وأصل كل الصراعات والحروب التي عرفها التاريخ الإسلامي، فتفرقت بسببه الأمة إلى طوائف ومذاهب ومدارس وتيارات وجماعات وملل ونحل، ومعلوم أن المعضلة كانت ولا زالت تكمن في عدم وضوح رؤية المسلمين لماهية الله ذاتا وموضوعا حيث يتم التكفير والقتل والاغتصاب والسلب والنهب والدمار والخراب باسمه، في حين أن وضوح هذه الرؤية من شأنه أن يغير فهم المسلمين للدين والدنيا معا ويؤثر على تصرفاتهم وممارساتهم.

والآن لنحاول تطبيق هذه القاعدة الذهبية لمعرفة من هو الله تعالى انطلاقا مما يقوله هو عن نفسه في قرآنه، لأن من شأن النتيجة التي سنتوصل إليها أن تغير من فهمنا لأمور كثيرة كنا نعتقد أنها صحيحة وهي ليست كذلك بالمرة، وقياسا على ذلك نستطيع الحكم بشكل منطقي على مجمل ما ورد في تفاسير السلف وغربلتها من العجائبي والغرائبي الذي اعتمدته في تفسير العديد من آيات القرآن بما لا يتناسب مع الحقائق الإلهية في إطلاقها وتفاصيلها النسبية.

من حيث المحكم..

يقول تعالى في تعريف نفسه (الله نور السماوات والأرض) النور: 35.

ويلاحظ من عملية التنقيب في القرآن الكريم، أن الاسم النورقد ورد كعنوان رئيس لسورة (النور)، في حين أنه تردد مستقلا في 39 آية، لامست سياقات مختلفة، لكن ليس بينها سياق واحد يفيد أن النورهو مخلوق من مخلوقات الله تعالى. بل العجيب، أن هذه الكلمة جاءت بمعني اسم الله الأعظم، ولم ترد كصفة من صفاته أبدا، ما يؤكد أن الآية التي انطلقنا منها في هذا المبحث هي من المحكمات قولا واحدا.

هذا في حين عرّف الله تعالى النور كصفة بالنسبة للكتب السماوية (التوراة والإنجيل والقرآن). كما جاءت كصفة كذلك كناية عن نور الله الذي أودعه تعالى في النجوم والأجرام والكواكب، كما خص بها رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حيث وصفه بـالسراج المنير، أي مولدا للنور بأمر ربه وليس عاكسا له فقط كما هو حال القمر مثلا، وهو وصف لم ينله أحد من الأنبياء أو الرسل من قبل، ومن هنا نفهم معنى قوله في دعائه صلى الله عليه وآله وسلم: “ربي اجعلني نورا، بعد أن كان يقول من قبل: “ربي اجعل لي نورا“.. وبالتالي، نحن هنا أمام مجموعة من الأوصاف التي وردت بعدد من الآيات المتشابهة التي لا يمكن فهم معناها الحقيقي إلا بإعادتها إلى أصلها المحكم الوارد في الآية 35 من سورة النور، والذي يفيد أن الله هو النور الأعظم ومصدر كل الأنوار.

ومن المؤسف أن التراث قد أغفل التركيز على هذه الحقيقة الفريدة والفارقة في تاريخ المعرفة، بحيث لم تحظى بما تستحقه من بحث وتفكيك كان من شأن نتائجه أن تغير نظرة المسلم لنفسه و للعالم وللآخر المختلف إلى الأبد، ولو فعل المسلمون ذلك لما كان هناك اليوم من حديث عن تعارض بين الدين والعلم أو بين العقل والإيمان.

من حيث المتشابه..

يقول تعالى عن نفسه: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) الأنعام: 103، ويشار إلى أن هذه الآية تحديدا، أثارت جدلا واسعا بين المعتزلة والأشاعرة زمن علم الكلام، حيث اختلفوا حول تعريف الإدراكإن كان يعني الرؤيةأم اللحوق(أدركه بمعنى لحق به كقوله حتى إذا أدركه الغرقأي لحق به)، وهو ما كان يتحجج به الأشاعرة في حين كان المعتزلة يرفضون هذا التفسير ويقولون أن الإدراك إذا قرن بالبصر أفاد ما تفيده رؤية البصر دون سواها من اللحوق أو الإحاطة.

وكان مسلك المعتزلة كما الأشاعرة يقوم في تأكيد أفكارهم العقلية عن الله تعالى على أساس التفرقة بين المحكم والمتشابه، وهي طريقة سليمة من حيث المنهج، لكن المعضلة تمثلت في الخلط بين المحكم والمتشابه لصعوبة التفريق بينهما، فما كان يعتبره المعتزلة محكما لتأييد وجهة نظرهم كان يعتبره الأشاعرة متشابها والعكس صحيح أيضا، وكان سلاح كل منهما هو قواعد اللغة والبلاغة، ولم يصل الفريقان إلى نتيجة متفق عليها حول مسألة رؤية الله يوم القيامة التي كان ينكرها المعتزلة ويؤكدها الأشاعرة. هذا في حين لو كان المعتزلة انطلقوا من المحكم الذي انطلقنا منه في هذا المبحث (الله نور السماوات والأرض) ودعموا أطروحتهم برد الآيات المتشابهة كلها إلى هذا الأصل لانتصروا لرؤيتهم على الأشاعرة بالضربة القاضية، لكنهم انطلقوا من متشابه يقول (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) فاعتبروه محكما، فضاعت الحقيقة في بحر الكلام تتقاذفها أمواج التأويل إلى لا شاطئ.

أما الصوفية الذي كانوا يدركون الحقيقة ويرفضون البوح بها من باب التقية خوفا من سيف الخصوم كما حدث مع الحلاج وغيره، فقد اعتبروا النور مرادفا للوجود، لأن الله وإن كان لم يذكر مصطلح الوجودفي القرآن الكريم بمعناه الأنطولوجي إلا أنه ذكر بدله اسم النورباعتباره هو عين الوجود وسره الأول والآخر والظاهر والباطن لقوله تعالى (هو الأول والآخر والظاهر والباطن)، وهذا يعني أن أول الموجودات خلقت من نور بفضل الطاقة الهائلة التي يولدها ويحول بفضلها الأجسام إلى ما لا نهاية دون أن تفنى أو تندثر في العدم ليظل النور هو آخر من يتحكم فيها إلى يوم يبعثون، وبهذا المعنى فالنور هو الأول الذي بدأ الخلق به والآخر الذي سيعيده في خلق جديد يوم المعاد لقوله تعالى (أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد) ق: 15، وهو الظاهر الذي نؤمن بوجوده دون القدرة على رؤيته بالعين المجردة، والباطن المحجوب بسبب استحالة إدراك مصدره وبالتالي جوهره.. وهنا يكمن سر الأسرار أو اللغز الخفي.

ويكون دليل ذلك من الآيات المتشابهات التي تشرح ماهية الله كالتالي:

يقول تعالى: (هو معكم أينما كنتم) الحديد: 4، هذه الآية اقترنت بخلق السماوات والأرض في ستة أيام واستواء الله على العرش، ومعلوم أن هذا الخلق وفق ما تؤكده نظرية الإنفجار العظيم قد تم بطاقة نووية كونية هائلة، وهو ما يتساوق مع المفهوم القرآني لهذا الخلق لقوله تعالى: (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون) الأنبياء: 30، وبث فيها نجوما وكواكب وأجرام ومخلوقات يستطيع الله جمعها إذا يشاء، ما يؤكد وجود حياة غير الحياة التي نعرفها على الأرض لقوله تعالى (ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير) الشورى: 29.

والبث لغة هو إلقاء الشيئ ونثره على نطاق واسع في كل الجهات مثل إلقاء البذور في الحقل. واصطلاحا يعني التناثر والانتشار الواسع الذي يتخلف عن الانفجار. وبالتالي، فانفجار النور عمّ الكون فأشرقت السماوات والأرض بنور ربها حين خرجت من العدم إلى الوجود ومن الظلمة إلى النور فأصبحت مرئية، ورافق هذا النور الإنسان بعد خلقه أطوارا في كل زمان ومكان ليكون بصيرا وشاهدا على ما يعمل في السر والعلن، وما يلفظ من قول إلا ولديه رقيب عتيد في إشارة إلى المتلقيان اللذان هما ملكان من نور في جين البشر قاعدين له عن اليمين وعن الشمال يحصون كل كبيرة وصغيرة يفعلها بما في ذلك ما توسوس به نفسه، وهذا هو معنى قوله تعالى (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) ق: 16.

وواضح أنه إذا أرجعنا الآيتين المتشابهتين أعلاه إلى الآية المحكمة التي انطلقنا منها في هذا المبحث (آية 35 من سورة النور)، أدركنا بسهولة ويسر أن الأمر يتعلق بالنور الذي هو معنا أينما كنا وأقرب إلينا من حبل الوريد، ذلك أن لا شيء موجود في هذا الوجود إلا النور، ومن دون نور يستحيل أن يوجد في الوجود موجود، بل يستحيل أن يكون ما نعتقد أنه وجودأصلا، ولظل الحال كما كان في الدعم قبل أن يقرر الله تعالى خلق العالم والإنسان بقوة نوره الذاتية.

ويقول تعالى: (أينما تولوا وجوهكم فتم وجه الله)، هذه الآية تحيل أيضا على النور المتواجد بكل مكان وفي كل اتجاه من دون بداية ولا نهاية ولا قدرة على رؤيته بالرغم من قناعتنا التامة بوجوده لأن لا أحد يستطيع أن ينكر وجود النور، هذا مستحيل. وهذا هو معنى أن الله هو الأول من دون بداية والآخر من غير نهاية والظاهر من دون حضور والباطن من دون غياب، وهو ما يعطيه المعنى الحقيقي لشهادة لا إله إلا الله” (وهي تأكيد بعد نفي)، أو إن شأت قلت لا نور إلا نور الله، وبهذا المعنى يستحيل أن يشرك أحد بالله تعالى.

ويقول تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه)، بمعني أنه هالك الآن وليس بعد حين بمقياس الأمد اللامتناهي، حيث لا وجود للزمن بالمفهوم المطلق بل فقط بالمعنى النسبي البشري، والهلاك هنا لا يطال وجه الله الذي هو النور الفاعل في كل شيئ لا يتبدل ولا يتغير كما هو حال المادة. وهذا هو معنى أن الله كل يوم هو في شأن وكل يوم هو في خلق جديد.. بمعنى أن الله سبحانه يخلق كل يوم جديدا بنفسه من نفسه ولنفسه لا معه ولا من خارجه، لأن الاعتقاد بوجود شيئ معه أو من خارجه هو عين الشرك بالمفهوم الغليظ، ذلك أنك لو قلت أن المادة هي غير النور الذي هو الله فقد أشركت لإنك افترضت وجود مادة من خارج الله صنع منها هذا الكون والإنسان، في حين أن كل ما هو موجود في الوجود من عرشه إلى فرشه مخلوق من النور الذي هو إسم الله الأعظم الواجب الوجود دون سواه.

ويقول تعالى: (ليس كمثله شيء)، هذه الآية تفصح لنا عن المعني الحقيقي لكلمة التوحيد لا اله إلا الله، وتؤكد أن لا شيئ موجود في هذا الوجود غير النور، لأمه القوة القاهرة التي تخرج المخلوقات من العدم إلى الوجود لنلاحظها، أي من الظلمة إلى النور فتظهرها لنا لنتعرف عليها بعد أن لم تكن شيئا معلوما، ولولا ملاحظتنا للموجودات لما عرفت.. والله الذي يلاحظ كل شيء في الوجود (هو بكل شيء بصير)، خلق الخلق ليعرفه فيعبده.. ولذلك قال الرسول (ص): (كان الله ولا شيء معه)، وعندما سئل كيف هو الآن، قال: (هو الآن كما كان لا يزال)، فإذا فسرت حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بكلمة النورفهمت القصد من حديثه على حقيقته، وعرفت أن الله كان قبل الخلق نورا ولا شيئ معه، وعندما خلق العالم والإنسان لم يتغير شيئ في ملكه لأنه كما كان لا يزال ولا وجود لشيئ سواه.

وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم يحيلنا على كلمة (كن)، أو بعبارة أخرى وفق ما ورد في الإنجيل (في البدء كان الكلمة) ولم يقل (في البدء كانت الكلمة) لما بينهما من اختلاف في المعنى، فكلمة (كن فيكون) وفق ما يفهم من القرآن الكريم هي بكر كل خليقة، فهي أول شيئ يبتدئ الله به عند إرادته إيجاد الخليقة، وبالتالي، نحن أمام كلمة أزلية بها يحيي وبها يميت، وبها يخلق وبها يهلك وبها ينفذ إرادته ومشيئته لتجسيد رؤيته في الكون والخلق، وهي سر الألوهية المتمثلة في أسمائه وصفاته، وبدونها لا معنى لإله لا تكون له القدرة على قوله للشيء كن فيكون، وبالتالي فالله سبحانه هو الكلمة (كن) التي إذا أطلقها كان له ما يريد متى أراد وكيفما أراد، ومن المستحيل فصل كلمة (كن) عن ماهية الله تعالى لأنه كلمة الحق التي تثبت قدرته وأحقيته وصدقه فتحول الحرفان (كن) إلى أجسام وكائنات وظواهر، والكلمة بهذا المعنى هي كيان من نور لا يمكن أن ينفصل عن ذات الله لأنه بها يكون الإله إلها.

ويقول تعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) الذاريات: 21، وهي آية معطوفة على قوله (وفي الأرض آيات للموقنين)، للتأكيد على أن آيات الله كما هي ظاهرة في الأرض لمن أبصر إليها فهي أيضا ظاهرة في الإنسان لمن بحث عنها لحصول اليقين، والآيات التي في النفوس منها ما يتعلق بتركيب البدن من أعضاء كبيرها وصغيرها وصولا إلى الدقيق والمعقد منها، وانتهاء بعجائب الأفعال التي يأتيها الإنسان بواسطة الطاقة الكامنة فيه (النور اللطيف) والتي لولاها لما استطاع للحركة سبيلا ولما دبت في جسمه الحياة. ومنها الحواس الخمسة التي تشتغل بهذا النور اللطيف، وأيضا النفس التي تشعر من خلاله بحاجاتها الأساسية التي تغذي البدن، والعقل الذي يدرك الأشياء من خلاله فيقوم بترجمة المعلومات إلى صور وعناوين، ويميز بين الخطأ والصواب والحق والباطل.. لذلك قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (من عرف نفسه فقد عرف ربه)، وسيكون لنا وقفة لاحقا مع هذا الحديث العجيب لما يحمله من معاني عميقة من شأنها أن تنير عتمات الظل في فهمنا القديم لمعادلة (الله – الإنسان العالم).

وعودة إلى الآية التي انطلق منها المعتزلة والأشاعرة في محاولة فهم قضية الإبصار لقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)، يمكن القول أن المعتزلة لامسوا إلى حد معين طبيعة الله بأدوات التأويل لكن دون أن يبرزوها بشكل حاسم كخلاصة نهائية تقول “هذا هو الله”، وذلك بسبب غرقهم في تفاصيل المتشابه من القرآن والبناء عليها بدل الرجوع في التأويل إلى المحكم، هذا في ما  ذهب الأشاعرة مذاهب بعيدة تجانب الحقيقة جملة وتفصيلا وتجعل من الله كائنا متحيزا في المكان يمكن رؤيته يوم القيامة.

فمثلا، يقول القاضي عبد الجبار أحد كبار دبابات الفكر المعتزلي في تحديده لطبيعة الذوات في (شرح الأصول الخمسة – ص: 236/237 – طبعة القاهرة 1966 م): ” أن الذوات منها ما يُرى ويَرى كالإنسان، ومنها من لا يُرى ولا يَرى كالمعدومات، ومنها ما يُرى ولا يَرى كالجماد، ومنها ما لا يُرى ويَرى كالقديم سبحانه وتعالي“. وهذا الوصف الأخير الذي خصصه القاضي عبد الجبار للذات الإلهية، لا ينطبق تماما على طبيعة النور، لأن النور لا يبصر بذاته، ما دام الإبصار متعلق بما كان معينا في جهة ما (أي مقابلا)، في حين أن النور لا تحده جهة أصلا، لا شرقية ولا غربية، لأنه محيط بكل شيء، ويدرك كل الأبصار التي ترى بواسطته ويستحيل أن تفعل ذلك من دونه.

ومن خصائص النور كما هو ثابت علميا أنه لا يُرى، أي أنه لا تدركه الأبصار كما قال تعالى، وهو ما يفيد استحالة أن تلحقه الأبصار أو تحيط به من ناحية الإبصار بالرؤية، لكنه من جهته يدرك الأبصار أي يلحق بها فترى بفضله ما لم تكن تستطيع رؤيته من دونه.. و إدراك الأبصارهنا لا يفيد الرؤية، كما سبقت الإشارة، حتى يقال أن الله يري الأشياء، ما دام تعالى قد تمدح نفسه بنفي الرؤية عنه نفيا يرجع إلى ذاته، كمثل قوله: (لا تأخذه سنة ولا نوم)، لأن السنة والنوم ليستا من طبيعة النور الحي الدائم.

والإدراك الوارد في الآية (يدرك الأبصار) لا يفيد أنه تعالى يرى الأبصار، بل أن الله الذي هو نور من حيث طبيعته، يدرك الأبصار التي هي أدوات البصر (العيون)، أي يلحق بها وينفذ إليها ليمكنها من رؤية الأشياء كما هي متجلية في الوجود، ولم تكن من قبل شيئا. وبهذا المعني يكون الله مبصرا بعيون مخلوقاته، أي بنفسه من نفسه و لنفسه، ما دام لا وجود في الوجود لموجود في الحقيقة غير الله تعالى وفق ما يعطيه مفهوم لا إله إلا الله، وكل ما في الكون هو مجلي لذاته تعالى وفق رؤيته للكون والخلق.

وفي هذا السياق، يقول أبو حامد الغزالي في مقدمة كتابه (مشكاة الأنوار): “لما كان سر النور وروحه هو الظهور للإدراك، وكان الإدراك موقوفا على وجود النور وعلى وجود العين الباصرة أيضا: إذ النور هو الظاهر المظهر، وليس شيء من الأنوار ظاهراً في حق العميان ولا مظهرا. فقد تساوى الروح الباصرة والنور الظاهر في كونه ركنا لا بد منه للإدراك ثم ترجح عليه في أن الروح الباصرة هي المدركة وبها الإدراك. وأما النور فليس بمدرك ولا به الإدراك، بل عنده الإدراك. فكان اسم النور بالنور الباصر أحق منه بالنور المُبصر“.. ما يعني أن النور وإن كان باصرا بطبيعته إلا أنه ليس مُبصرا إلا من خلال الأدوات (المخلوقات) التي يستعملها ليُبصر بواسطتها.

في الخلاصة..

نخلص مما سبق إلى أن الله تعالى حين عرف نفسه بأنه نور السماوات والأرضيكون قد استعمل الاسم لا الصفة، وواضح أن الفرق بين الاسم والصفة يكمن في أن الأول يفيد معنى الذات، فيما أن الصفة ليست مكونا من مكونات الذات بقدر ما هي سمة تلحق بها فتطبعها من باب التعريف بالهوية الفاعلة، حيث أنها وسيط برزخي خيالي بين الذات العلية، أي الحقو عالم الخلق، وذلك بغض النظر عن إشكالية الكمال أو النقصان التي أثارها المعتزلة في مسألة الصفات عندما تلحق بالذات.. لأنه بالنسبة لله، لا تلحق الصفات بالذات بل تلحق مباشرة بالألوهية التي هي وسيط برزخي يفصل بين الله والعالم. وقد أوضحنا أن كلمة النورفي القرآن، كلما اقترنت بالله تعالى أفادت الاسم لا الصفة.. حيث لم يرد في الكتاب ما مفاده أن الله سبحانه وتعالي منير، بخلاف ما نجده بالنسبة لبقية الأسماء التي تقبل الاسم والصفة في نفس الوقت، وعلى ذلك جرى الاصطلاح في أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى. فالعلم والقدرة والحياة والإرادة صفات، والعالم والقادر والحي والمريد أسماء، لكن الاسم النورعلى وجه الخصوص، لم يرد بالمطلق كصفة لله تعالى بخلاف بقية الأسماء.

نتمنى أن نكون قد وفقنا في تحرير مفهوم الله من معتقل التجسيد، لأن المشكلة كما تبدو من ناحية تاريخية، هي أن الآلهة المجسدة تقوم على جذور عميقة في النفس الإنسانية، وذلك لأن الإنسان مفطور على أن يلبس المعاني والأخيلة لباس الواقع المحسوس، كي يجد فيها واقعا يعيش فيه ويتجاوب معه، لأنه مهما حاول المرء أن يجعل الإله فكرة خالصة مجردة فلن يستطيع أن يحمل ذهنه على الإمساك بها طويلا، إنها سرعان ما تزدحم عليها الخواطر والصور المجسدة التي تحاول أن تزيحها عن مكانها بسبب طبيعة العقل الذي لا يقبل إلا الصور كمرجعية يخزنها في الذاكرة ليقيس عليها، أو تختلط بها في غير توافق أو نظام.. غير أنه كلما تخفف الإنسان من كثافة المادة، صفت نفسه، ورقت مشاعره، وكان لذلك أثره – عند المؤمنين بالله – في تغليب التجريد علي التجسيم، وفي لفظ كل صورة يلقي بها الخاطر أو الوهم في تفكير الإنسان مجسدة لله أو محددة له، لأنه إذا استطاع الإنسان تحديد ماهية النور استطاع تحديد ماهية الله، وهذا مستحيل عقلا.

وهو ما يوضح بشكل جلي الفرق بين المجسمة من أهل الظاهر، أهل النقل و التقليد وبين الفلاسفة والصوفية العارفين بالله الذين يرفضون تجسيد الله وتحويله في مخيلتهم إلى كائن له كثافة مادية بسبب اختلاف مستويات الفهم وتفاوت نسب المعرفة بين أهل النقل من جهة وأهل العقل من جهة ثانية، وبينهما وبين المتصوفة أهل العرفان من جهة ثالثة.

أما ما يثار من جدل حول إمكانية رؤية الله يوم القيامة وفق ما يزعم فقهاء القشور، فموضوع يحتاج لتفصيل سنتناوله في الجزء السابع من هذا المبحث بحول الله.

كن اول من يعلق

اترك جوابا

لن ننشر عنونك الالكتروني


*