هل أخطأ ابن خلدون حين اعتبر “الظلم مؤذن بخراب العمران”؟..

بانوراما الرأي والتحليل / ياسين شرف

نظرية ابن خلدون..

يقول ابن خلدون في المقدمة، وبالتحديد في الفصل الثالث و الأربعون تحت عنوان «الظلم مؤذن بخراب العمران» ما نصه: « جباة الأموال بغير حقها ظلمة، والمعتدون عليها ظلمة، والمنتهبون لها ظلمة، والمانعون لحقوق الناس ظلمة، خصّاب الأملاك على العموم ظلمة، و وبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها لإذهابه الآمال من أهله. واعلم أن هذه هي الحكمة المقصودة للشارع في تحريم الظلم، وهو ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه، وذلك مؤذن بانقطاع النوع البشري، وهي الحكمة العامة المراعية للشرع في جميع مقاصده الضرورية الخمسة: من حفظ الدين و النفس والعقل والنسل والمال».

في الخلط بين السبب والوسيلة والنتيجة..

واضح أن ابن خلدون هنا يركز على الظلمباعتباره السبب الرئيس المؤدي إلى خراب العمران بما ينشأ عنه من فسادكما يقول، والسؤال الذي تطرحه هذه النظرية هو: – هل أخطأ ابن خلدون حين اعتبر الظلموليس الفسادهو سبب خراب العمران؟..

لست في مقام التطاول على هذه القامة الفكرية الكبيرة التي أنتجت من الأفكار والمعارف ما لم تنتج نظيرا له العقلية العربية طوال تاريخها، وخصوصا في مجال ما أصبح يعرف في الدراسات الإسلامية بـعلم السنن الإلهيةأو علم سنن التاريخبالتعريف الغربي الحديث.

لكني على يقين أن ابن خلدان لو عاد ليعيش بيننا اليوم ويتأمل ما وصل إليه حال الأمة لعدّل نظريته هذه، ولاكتشف بما لا يدع مجالا للشك أن الفسادهو السبب المؤذن بخراب العمران كنتيجة، في ما الظلمهو مجرد وسيلة.

بدليل أن الحاكم لا يظلم من أجل الظلم، بل من أجل حماية نفسه من المساءلة والمحاسبة لتأبيد فساده من خلال إدامة ظلمه.. وبالتالي، يكون الفساددائما وأبدا سببا رئيسا، فيما الظلم هو مجرد وسيلة، وانهيار النظام وخراب المجتمع يكون بالتالي هو النتيجة الحتمية.

الفساد هو الفساد، سواء أكان فسادا سياسيا أو إداريا أو اقتصاديا أو ماليا أو أخلاقيا، لأن الفساد قد يفيد الفاسد الانتهازي مرحليا، لكنه حين يستشري ولا يجد من يحاربه، يؤثر بشكل جذري على تماسك المجتمع، ويؤدي بالنهاية إلى انهيار منظومة الأمن والاستقرار، فينهار النظام، ويتفكك المجتمع، ويضيع الإنسان..

ولعل ما أوقع ابن خلدون في هذا الخطأ هو كونه انطلق في وضع نظريته هذه مما رصده من مظاهر الظلم في عصره ثم بحث لها عن قاعدة شرعية عامة تدعمها، ولو كان انطلق من النص القرآني لأدرك أن جوهر المعضلة يكمن في السبب (أي الدافع) الذي هو الفسادلا في الظلم” (أي الأداة) باعتباره مجرد وسيلة لا أخلاقية، لأنه حيث لا يوجد سبب لا توجد نتيجة بالضرورة بتعبير المناطقة، أو حين لا يوجد دافع لا توجد جريمة بالمحصلة وفق ما يقوله علم الجريمة.

ومرد ذلك، أن الفسادهو من أعظم المعضلات التي تواجه المجتمعات منذ أن خلق الله الخلق والأرض، ومن نتيجته سقوط أمم وحضارات وصعود أخرى لتملأ الفراغ مكانها، وليس الظلم كما اعتقد ابن خلدون، لأن الظلم وفق المفهوم القرآني هو وسيلة لحماية الفساد وليس سببا.

والدليل على ذلك، ربط القرآن الكريم صلاح الحياة على الأرض بانتفاء الفساد، وخرابها بانتشاره وعدم الوقوف في وجهه للقضاء عليه، وتحريمه للظلم هو تحريم للأداة التي يستعملها الفاسد لما لها من خطورة على اختلال التوازن الدقيق الذي جعله الله شرطا لصلاح الحياة أو فسادها على الأرض.

والحقيقة، أنني وقفت طويلا عند نظرية ابن خلدون أقلبها من مختلف جوانبها، ولم أجد من سبيل للخروج من هذا المأزق المعرفي سوى بالعودة إلى النص القرآني، وتحديدا إلى لحظة التكوين الأولى التي قرر الله تعالى جعل آدم خليفة له في الأرض فسألته الملائكة باستغراب: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟).. فكان جواب رب العزة: (إني أعلم ما لا تعلمون).

لاحظ أن الملائكة ربطت في سؤالها بين النتيجة التي هي فساد الحياة على الأرض بالسبب الذي هو فسادالإنسان، فيما أشارت إلى سفك الدماءكأداة مجسدة لأبشع مظهر من مظاهر الظلم، أي أنها فرقت بين السبب والأداة والنتيجة، باعتبار أن الفساد هو السبب المؤدي إلى سفك الدماء كوسيلة من وسائل الظلم المؤدي بالنتيجة إلى فساد الحياة على الأرض.

غير أن الله تعالى كان له موقف آخر، حيث يفهم من رده على الملائكة، أن الفساد وإن كان سببا لسفك الدماء وخراب الأرض التي جعلها الله صالحة للحياة وسخرها للإنسان ليعيش فيها سعيدا كريما، إلا أنه ليس طبيعة متجذرة في جوهر الإنسان، بل خطيئة طارئة يكتسبها الإنسان عند انحرافه عن الهداية، فيقرر باختياره وإرادته عمل الخير أو الشر.

ولا أذل على ذلك من عديد الآيات والأحاديث النبوي الشريفة التي تؤكد أن الخطيئة ليست من طبيعة الإنسان التي خلقها الله طاهرة نظيفة، وأن الذنوب تركب عليها كما يركب الدنس على الثوب الأبيض النظيف، فتغسله التوبة والمغفرة، بل ويستبدل الله السيئات بالحسنات من فضله وكرمه، وللرسول الكريم صلى الله عليه وآله وصحبه دعاء يقول (اللهم طهرني من الذنوب ونقني منها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس)، ما يؤكد أن الذنب عارض مثله مثل الوسخ ويمكن إزالته بالتطهر.

ونظرية الاستبدالهذه (أي استبدال الذنوب بالحسنات من بوابة التوبة والاستغفار)، تعتبر من النظريات القرآنية العظيمة التي تضرب نظرية الكنيسة التي تقول بأن الخطيئة أصيلة في جين الإنسان يتوارثها أبا عن جد بسبب واقعة عصيان آدم لربه، (أي أن الأطفال يحملون لعنتهم من رحم أمهاتهم، وأن طبيعتهم كريهة ومقيتة في عيني الله).. وهذا افتراء على الله الذي من سمو عدله أنه لا يحاسب الأبناء بذنوب الآباء ولا يحمّل أمة مسؤولية ما فعلته سابقاتها من الأمم (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ولا تسألون عما كانوا يفعلون). ومرد ذلك أنه جعل المحاسبة على قدر المسؤولية الشخصية وفق قاعدة ذهبية تقول (كل نفس بما كسبت رهينة)، والحديث هنا هو عن ما يكسبه الإنسان في تجربته الأرضية من ذنوب وحسنات بمحض اختياره وإرادته لا عن خطيئة أصيلة في طبعه انتقلت إليه بالوراثة.

وبالتالي، فالقاعدة الأساس التي تحكم مسيرة الأمم من سقوط وصعود جعلها الله مقترنة بـالفسادفي الحالة الأولى وبـالصلاحفي الحالة الثانية، والصلاح هو عكس الفساد، بدليل قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) ولم يقل العادلونحيث العدل هو عكس الظلم كما ذهب إلى ذلك ابن خلدون في نظريته القائلة بصعود وسقوط الأمم والحضارات بسبب الظلم.

الفساد وفق المفهوم القرآني..

الفساد لغة هو خروج الشيء عن الاعتدال قليلا أو كثيرا، وعكسه الصلاح، ويشمل ذلك النفس والبدن وكل الأشياء المحيطة بالإنسان، وصلاح الأشياء في عدم التأثير سلبا على دورها ووظيفتها، لأن أي خلل سيؤدي حتما إلى فسادها وسينعكس ذلك على محيطها سواء على مستوى الطبيعة أو الإنسان، ومعنى الاعتدال وفق المفهوم القرآني هو الاستقامةأو الصراط المستقيمالذي جعله الله الخيط الرفيع الذي تتوقف عليه سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.

والجميل في الأمر أن هناك ارتباط وثيق، أو لنقل شبه تلازم بين استعمال الله لمصطلح الفسادوكلمة الأرض، فالقرآن استخدم كلمة فسادبحدود خمسين مرة، وفي جميع هذه الاستخدامات كانت ترد كلمة أرضأو إشارة إليها، باستثناء أحدى عشر مرة لم ترد فيها كلمة أرضلأن الاستعمال كان في معرض وصف عمل المفسدين وعاقبته (فانظر كيف كان عاقبة المفسدين)، أو في معرض بيان علم وإحاطة الله بما يفعلون (وربك أعلم بالمفسدين)، أو في معرض الدعاء لاستجداء النصرة على القوم المفسدين (قال ربي انصرني على القوم المفسدين).

أما في الاستعمالات المرتبطة بـالأرض، فيتبين جليا من السياقات التي ورد فيها مصطلح فساد، أنه ظاهرة تعم المجتمع الإنساني بغالبيته، بحيث تشمل الظواهر الإنسانية العامة والواسعة التي تجعل مقولة (الفساد في الأرض) تحيلنا على كل جوانب الحياة وتأثيراتها على الإنسان والمجتمع والطبيعة، وتركيز الله تعالى على الأرض عند ذكر الفساد مرده إلى أنها المستقر بالتعبير القرآني أو الميدان الذي يخوض فيه الإنسان تجربته الدنيوية التي على أساس نتائجها يتقرر مصيره في الحياة الأبدية يوم الحساب.

الظلم في المفهوم القرآني..

أما مصطلح الظلم، فقد ورد في آيات عديدة وسياقات متعددة، بمعنى الشرك والكفر والجحود والمعصية وظلم الإنسان لنفسه ولأخيه الإنسان، وظلم الحاكم للمجتمع باستعباده وقهره، وظلم مجتمع لآخر بالعدوان عليه وما إلى ذلك من المعاني التي تؤدي حكما إلى خراب العمران كنتيجة حتمية، لأن المشرك والكافر والجاحد والعاصي يضر نفسه لا غيره، في حين أن المجرم يضر غيره، أما الحاكم فظلمه يضر المجتمع لأنه تعدي على حقوق الناس وكرامتهم، وكلما كثر فساد الحاكم كلما اختل النظام العام، وتلاشى الانسجام، وتزعزع الاستقرار بفعل كفر الناس بالولاء للدولة وسعيهم للتمرد عليها، وبالنتيجة يتفكك المجتمع وتسود الفوضى التي قد تؤدي إلى الثورة كأداة لتصحيح الأوضاع أو الانفصال في حال اليأس من حلم التغيير إذا توفرت الشروط الموضوعية والذاتية لذلك، تماما كما حصل في حال الصحراء مثلا، أو كما يمكن أن يحصل في حال حراك الريف في انتظار توفر الشرط الذاتي بعد أن اكتمل الشرط الموضوعي.

ما الحل؟..

أما الحل، فيعرفه الجميع، ويكون ناجعا كلما تمت معالجة مظاهر الفساد في مراحل ظهوره الأولى من خلال الإصلاح، وكما يقول المثل الشعبي حوتة وحدا كتخنز شواري، أما إذا ترك يتفشى في كل مفاصل الدولة وجسم المجتمع، فيصبح علاجه أمرا مستحيلا، مثله مثل السمك الفاسد، لأن الأوان يكون قد فات بعد أن يصبح هذا الفيروس الخطير منتشرا بكل مرافق الحياة، فتسقط القيم وتضيع الأخلاق وينتهي الأمر حكما بانهيار الدولة وتفكك المجتمع وسقوط الوطن وضياع الإنسان.

والسؤال هو: – هل لا زال الحديث عن الإصلاح في المغرب ممكنا؟.. أم أننا دخلنا المرحلة الأخير من المرض العضال الذي لم يعد ينفع معه سوى الاستئصال إنقاذا لما يمكن إنقاذه من هذا الوطن المغتصب؟..

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*