الاستراتيجية الأمريكية الجديدة: تحوُّلٌ في النهج.. ولكن؟!

بانوراما الرأي والتحليل / محمد علي جعفر*

بين إعلان الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في تشرين الثاني من العام المنصرم واليوم، عامٌ مرّ دون تحقيق واشنطن لأيٍ من النتائج. ولو أن الاستراتيجية الجديدة أعلنت وجود تغيُّرٍ في النهج الاستراتيجي المُعتمد، إلا أنه وبحسب ما يبدو فلم يحصل أي تغيُّرٍ فيما يخص العظمة الأمريكية التي اهتزت. فماذا حول الهدف الأساس للاستراتيجية الأمريكية الجديدة؟ وما أهم مرتكزاتها؟ وكيف صاغت التحول في النهج الاستراتيجي؟ وما التقييم الحالي بعد عام على إعلانها؟

عظمة أمريكا والقدرة على الهيمنة: الهدف الأساس لأي استراتيجية أمريكية

في رسالته إلى الكونغرس الأمريكي في 1 آذار 2017، أكد الرئيس دونالد ترامب أن الولايات المتحدة قادرة مرة أخرى على قيادة العالم. هو نفسه روح الخطاب الذي يُقدِّمه أي رئيسٍ أمريكي: التأكيد على العظمة الأمريكية. بهذه الكلمات خرج دونالد ترامب مُعبِّراً عن الهدف نفسه لأي استراتيجية أمريكية. فعظمة أميركا على المستوى الاستراتيجي، لا يختلف عليها أي رئيس في الولايات المتحدة، أكان من صف الجمهوريين أو الديمقراطيين. وهو ما يؤكد عليه دوماً كبير مستشاري الحزب الجمهوري هنري كسينجر، والراحل برجينسكي، الذي كان يقف على الضفة الديمقراطية المقابلة. وبالتالي ليس هناك أي اختلافٍ في أهداف السياسة الخارجية لأمريكا على اعتبارها الجزء الأهم في الاستراتيجية الأمريكية. ليتفق كلٌ من الرئيس السابق باراك أوباما والرئيس الحالي دونالد ترامب حول هذه العظمة. لكن الاختلاف هو في النهج الاستراتيجي المُعتمد. أو ما يعني عملياً السياسات التكتيكية التي تهدف للحفاظ على الهيمنة الأمريكية في العالم.

المُرتكزات الأساسية للاستراتيجية الأمريكية الجديدة

خلال شهر تشرين الثاني من العام 2016، أي منذ سنة تقريباً، خرجت الى العلن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة. استراتيجية صاغها هذه المرة ستيفين هادلي مستشار الأمن القومي السابق عن الحزب الجمهوري ومادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة عن الحزب الديمقراطي. لم تكن صدفة أن تخرج الى العلن هذه الاستراتيجية تحت عنوان “Middle East Strategy Task Force report” بعد فوز دونالد ترامب بشهر واحد. الاستراتيجية عبارة عن نتيجة لعمل لجنة شكلها المعهد الأطلنطي في الولايات المتحدة الأمريكية والذي كُلف بوضعها واستغرق إعدادها السنة وتسعة أشهر. وهنا أهم المرتكزات التي خرج بها التقرير فيما يخص الشأن السياسي:

أولاً: التأكيد على ضرورة التعاون مع روسيا كان أحد أهم المرتكزات. على أن تأخذ بعين الاعتبار المصالح الحيوية لهذه الدولة وتعتمد التعاون الحقيقي تجاه القضايا المشتركة وحل القضايا الخلافية.

ثانياً: العمل على تقليص النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة وما حولها عن طريق تفكيك (الميليشيات) المدعومة من ايران في دول كثيرة وقطع اذرع التعاظم والتمدد الايراني خصوصا في العراق وسوريا ولبنان واليمن. في محاولة لدمج السياسة الإيرانية في توجهات الشرق الأوسط بحسب المصلحة الأمريكية.

ثالثاً: تكثيف الجهد الدولي والإقليمي والمحلي وتقديم الدعم اللوجستي والعسكري للقضاء على تنظيم داعش وطي ملف الارهاب المتطرف جذرياً.

التحول الواضح في النهج الاستراتيجي: نحو شراكة يمكن إدارتها!

قد تبدو المرتكزات الأساسية طبيعية بالنسبة للسياسة الأمريكية. لكن الأمر الجديد، يتعلق بالتحوُّل الواضح في النهج الاستراتيجي المُعتمد. حيث خرجت الاستراتيجية بعدة توصيات أهمها:

أولاً: التراجع عن سياسة إسقاط الأنظمة في الشرق الأوسط والسعي لتأمين انخراط الأنظمة الموجودة ضمن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة.

ثانياً: الإقرار بأن التقسيمات السابقة لمنطقة الشرق الأوسط ساهمت في النزاعات الحالية وأضرت بمستقبل شعوب المنطقة، لا سيما اتفاق سايكس بيكو.

ثالثاً: التراجع عن سياسة فرض الإملاءات على دول المنطقة والتعويض عنها بتعزيز العلاقات الثنائية والعمل على تفعيل سياسة الدعم والإسناد للمشاريع المحلية لهذه الدول عبر الاعتماد على الحراكات المدنية.

التقييم الحالي للسياسة الخارجية الأمريكية بناءاً للتوجهات الجديدة

تُشكل عدة نقاط ملامح السياسة الخارجية الأمريكية. وهو ما يتم تحديده بحسب الظروف الراهنة للمصالح الأمريكية والمنطلقات الأساسية لسياسسة واشنطن خلال تشكيل الإستراتيجية. في بداية العهد الأمريكي ساد الغموض السياسة الأمريكية الخارجية. وهو ما اعتبره البعض المخاض الطبيعي قبل إعادة السيطرة على جنون الرئيس الجديد. أما اليوم، فيبدو واضحاً أن فريق العمل المُحيط بالرئيس الحالي، يعتمد الإستراتيجية الجديدة وهو ما تُثبته أهم الدلائل التالية:

أولاً: تسير التوجهات الخارجية الأمريكية ضمن سياسة اعتبار إيران الخطر الأكبر على المنطقة. وربط خطرها بتهديد استقرار دول الشرق الأوسط. وهو ما تعتبر أمريكا أنه لا يمكن أن يُستثمر دون ضرب حزب الله اللبناني على اعتباره نقطة قوة مركزية للسياسة الإستراتيجية لمحور المقاومة الذي تترأسه إيران.

ثانياً: انتقلت واشنطن الى موقع الساعي لمشاركة روسيا في الإنجاز السوري. وهو ما تعمل عليه من خلال محاولة إدارة النتائج، عبر فرض مصالح إسرائيل الإستراتيجية لا سيما في الجنوب السوري وخلق تناقضات مصالح بين الطرفين الروسي والإيراني.

ثالثاً: حصل تغيُّر واضح في اللهجة الأمريكية تجاه السعودية. وهو ما اختلف عن لغة ترامب الانتخابية. الأمر الذي يهدف لإعادة إحياء التحالفات التي قد تكون تأزمت خلال فترة باراك أوباما خصوصاً بعد الإتفاق النووي. فيما كانت الشراكة عنوان الإبتزاز الأمريكي والذي أثمر صفقة المليارات السعودية (480 مليار).

الخلاصة

لن تكون الاستراتيجية الأمريكية وإن اختلف النهج الاستراتيجي المُعتمد حلاً للأزمات التي يقع فيها الشرق الأوسط بالإضافة الى أنها لن تُعيد لأمريكا مجدها التاريخي. فالواقع الذي رسخته إنجازات الميادين في كل من سوريا والعراق واليمن، أخرج اعترافات المسؤولين الأمريكيين بالفشل الى العلن. فكان آخرها ما قاله السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد، حول فشل المخططات الأمريكية وتلاشي أحلام واشنطن. وهو نفسه الذي قال بتاريخ 20/6/2016 وفي مقابلة مع جريدة الشرق الأوسط، أن على ترامب الذي يسعى لتقليص النفوذ الإيراني أن يُدرك أن أمريكا تأخرت كثيراً واللعبة انتهت حيث أن أوباما لم يترك لإدارة ترامب الكثير من الخيارات.

إذن، سنة فصلت الإستراتيجية الجديدة لأمريكا عن الواقع الحالي اليوم. لم يحصل أي تقدمٍ سوى بترجمة الخيارات الى أرض الواقع. لكن ذلك لم يُحقق أي هدف. لم تستفد أمريكا من تغيير النهج الإستراتيجي، سوى أنها أثبتت فشلها السابق مُعترفة بذلك، كما أثبتت مسؤوليتها عن أزمات المنطقة. فهل يقرأ بعض الحالمين بعهدٍ أمريكيٍ جديد، ما تعترف به واشنطن على لسانها؟!

————-

خاص / العهد

* باحث في إدارة المنظومات والشؤون الاستراتيجية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*